نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٤٤ - ٢٢٢ - و من كلام له عليه السّلام
صبيانه شعث الشّعور، غبر الألوان من فقرهم، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم، و عاودنى مؤكّدا [١] و كرّر علىّ القول مردّدا، فأصغيت إليه سمعى فظنّ أنّى أبيعه دينى، و أتّبع قياده [٢] مفارقا طريقتى، فأحميت له حديدة، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذى دنف من ألمها [٣] و كاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثّواكل يا عقيل [٤]، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، و تجرّنى إلى نار سجرها جبّارها لغضبه؟ أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى؟!! و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة فى وعائها [٥] و معجونة شنئتها، كأنّما عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة؟؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا و لا ذاك، و لكنّها
[١] شعث: جمع أشعث، و هو من الشعر المتلبد بالوسخ، و الغبر - بضم الغين - جمع أغبر، و هو متغير اللون شاحبه، و أصله الغبار و هو التراب، و العظلم - كزبرج - سواد يصبغ به، قيل: هو النيلج، أى: النيلة
[٢] القياد: ما يقاد به كالزمام
[٣] الدنف - بالتحريك - المرض، و الميسم - بكسر الميم و فتح السين - المكواة
[٤] ثكل - كفرح - أصاب ثكلا - بالضم - و هو فقدان الحبيب، أو خاص بالولد، و الثواكل: النساء، دعاء عليه بالموت لتألمه من نار ضعيفة الحرارة و طلبه عملا - و هو تناول شىء من بيت المال زيادة عن المفروض له - يوجب الوقوع فى نار سجرها، أى: أضرمها، الجبار و هو اللّه للانتقام ممن عصاه، و لظى: اسم جهنم
[٥] الملفوفة: نوع من الحلواء أهداها إليه الأشعث بن قيس، و «شنئتها» أى: كرهتها، و الصلة: العطية