نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٤٢ - ٢٢١ - و من كلام له عليه السّلام
تعدك من نزول البلاء بجسمك، و النّقص فى قوّتك، أصدق و أوفى من أن تكذبك، أو تغرّك، و لربّ ناصح لها عندك متّهم [١]، و صادق من خبرها مكذّب، و لئن تعرّفتها فى الدّيار الخاوية [٢]، و الرّبوع الخالية، لتجدنّها من حسن تذكيرك، و بلاغ موعظتك، بمحلّة الشّفيق عليك، و الشّحيح بك [٣]، و لنعم دار من لم يرض بها دارا، و محلّ من لم يوطّنها محلاّ [٤]! و إنّ السّعداء بالدّنيا غدا هم الهاربون منها اليوم
إذا رجفت الرّاجفة [٥]، و حقّت بجلائلها القيامة، و لحق بكلّ منسك أهله و بكلّ معبود عبدته، و بكلّ مطاع أهل طاعته، فلم يجز فى عدله [و قسطه] يومئذ حرق بصر فى الهواء [٦]، و لا همس قدم فى الأرض إلاّ بحقّه. فكم
[١] رب حادث من حوادثها يلقى إليك النصيحة بالعبرة فتتهمه و هو مخلص
[٢] تعرفتها: طلبت معرفتها و عاقبة الركون إليها
[٣] البخيل بك على الشقاء و الهلكة
[٤] وطنه - بالتشديد - اتخذه وطنا
[٥] الراجفة: النفخة الأولى حين تهب ريح الفناء فتنسف الأرض نسفا، و حقت القيامة: وقعت و ثبتت بعظائمها، و المنسك - بفتح الميم و السين - العبادة، أو مكانها
[٦] يجز: من الجزاء مبنى للمجهول نائب فاعله «خرق بصر و همس قدم» أى: لا تجازى لمحة البصر تنفذ فى الهواء و لا همسة القدم فى الأرض إلا بحق و ذلك بعدل اللّه و يروى «فلم يجر فى عدله» من «جار» أى: عدل عن الطريق، أى: لم يذهب عنه سبحانه و لم يضل و لم يشذ عن حسابه شىء من أمر محقرات الأمور إلا بحقه، أى: إلا ما لا فائدة فى إثباته. و رواه قوم «لم يجز» مضارع «جاز يجوز» أى لم يسغ و لم خص ذلك اليوم لأحد من المكلفين فى حركة من الحركات المحقرات المستصغرات إلا إذا كانت قد فعلها بحقّ، قاله ابن أبى الحديد