نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٠٠ - ١٩٦ - و من خطبة له عليه السّلام
فاتّقوا اللّه الّذى نفعكم بموعظته، و وعظكم برسالته، و امتنّ عليكم بنعمته، فعبّدوا أنفسكم لعبادته [١]، و اخرجوا إليه من حقّ طاعته.
ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللّه الّذى اصطفاه لنفسه، و اصطنعه على عينه، و أصفاه [٢] خيرة خلقه، و أقام دعائمه على محبّته، أذلّ الأديان بعزّته، و وضع الملل برفعه، و أهان أعداءه بكرامته، و خذل محادّيه بنصره [٣]، و هدم أركان الضّلالة بركنه، و سقى من عطش من حياضه، و أتأق الحياض لمواتحه [٤]، ثمّ جعله لا انفصام لعروته، و لا فكّ لحلقته، و لا انهدام لأساسه، و لا زوال لدعائمه، و لا انقلاع لشجرته، و لا انقطاع لمدّته، و لا عفاء لشرائعه [٥]،
[١] «فعبدوا» أى: فذللوا
[٢] اصطناع الشىء على العين: الأمر بصنعته تحت النظر، خوف المخالفة فى المطلوب من صنعته، و المراد هنا تشريع الدين و تكميله على حسب علم اللّه الأعلى و تحت عنايته بحفظه، و وجه التجوز ظاهر. و أصفاه العطاء و به: أخلص له و آثره به، و خيرة - بفتح الخاء -: أفضل ما يضاف إليه. أى: و آثر هذا الدين بأفضل الخلق ليبلغه للناس، و تكسر خاؤه و ياؤه حينئذ ساكنة أو مفتوحة
[٣] محاديه: جمع محاد: و هو الشديد المخالفة. و الركن: العز و المنعة
[٤] تئق الحوض - كفرح -: امتلأ، و أتاقه: ملأه. و المواتح: جمع ماتح و هو نازع الماء من الحوض
[٥] العفاء - كسحاب -: الدروس و الاضمحلال، تقول: عفا المنزل، أى: درس. و عفته الريح، يتعدى و يلزم، و بابهما عدا، و عفته الريح - بالتشديد - أيضا، شدد للمبالغة، و تعفى المنزل: مثل عفا، و الجذ: القطع، و الضنك: الضيق و الوعوثة: رخاوة فى السهل تغوص بها الأقدام عند السير فيعسر المشى فيه. و الوضح - محركة -: بياض الصبح، و العصل - بفتح الصاد -: الاعوجاج يصعب تقويمه، و وعث الطريق: تعسر المشى فيه، و بابه قرب و تعب. و الفج: الطريق الواسع بين جبلين