نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٩٣ - ١٩٣ - و من خطبة له عليه السّلام
١٩٣ - و من خطبة له عليه السّلام
الحمد للّه الّذى أظهر من آثار سلطانه، و جلال كبريائه، ما حيّر مقل العيون من عجائب قدرته [١]، و ردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته [٢].
و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه شهادة إيمان و إيقان، و إخلاص و إذعان. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله و أعلام الهدى دارسة، و مناهج الدّين طامسة [٣]، فصدع بالحقّ، و نصح للخلق، و هدى إلى الرّشد، و أمر بالقصد، صلّى اللّه عليه و آله [و سلم].
و اعلموا، عباد اللّه، أنّه لم يخلقكم عبثا، و لم يرسلكم هملا. علم مبلغ نعمه عليكم، و أحصى إحسانه إليكم، فاستفتحوه، و استنجحوه [٤]، و اطلبوا إليه و استمنحوه، فما قطعكم عنه حجاب، و لا أغلق عنكم دونه باب، و إنّه لبكلّ مكان، و فى كلّ حين و أوان، و مع كلّ إنس و جانّ، لا يثلمه العطاء [٥]،
[١] المقل - بضم ففتح -: جمع مقلة، و هى شحمة العين التى تجمع البياض و السواد.
[٢] هماهم النفوس: همومها فى طلب العلم
[٣] من «طمس» - بفتحات - أى: انمحى و اندرس، و «صدع» أى: شق بناء الباطل بصدمة الحق. و القصد: الاعتدال فى كل شىء
[٤] استفتحوه: اسالوه الفتح على أعدائكم، و استنجحوه: اسألوه النجاح فى أعمالكم و استمنحوه: التمسوا منه العطاء
[٥] ثلم السيف - كضرب - كسر جانبه، مجاز عن عدم انتقاص خزائنه بالعطاء. و الحباء «١٣ - ن - ج - ٢» - ككتاب -: العطية لا مكافأة عليها. و استنفده: جعله نافد المال لا شىء عنده. و استقصاه: أتى على آخر ما عنده، و اللّه سبحانه لا نهاية لما لديه من المواهب، و «لا يلويه» أى: لا يميله، و تولهه: تذهله، و يجنه: مضارع أجنه، و يقال جنه يجنه - كيظنه - و معناه يستره، و كأنه يريد رضى اللّه عنه أن صور الموجودات حجاب بين الوهم و سبحات وجهه و علو ذاته مانع للعقل عن اكتناهه، فهو بهذا باطن، و مع ذلك فالأشياء بذاتها لا وجود لها، و إنما وجودها نسبتها إليه. فالوجود الحقيقى البرىء من شوائب العدم وجوده، فالموجودات أشعة ضياء لوجود الحق، فهو الظاهر على كل شىء، و بهذا تتبين الأوصاف الآتية