نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣ - ١٢٦ - و من خطبة له عليه السّلام فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة ١
١٢٦ - و من خطبة له عليه السّلام
فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة [١]
يا أحنف، كأنّى به و قد سار بالجيش الّذى لا يكون له غبار و لا لجب [٢] و لا قعقعة لجم، و لا حمحمة خيل [٣] يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النّعام.
قال الشريف: يومىء بذلك إلى صاحب الزنج. ثم قال عليه السّلام: ويل لسكككم العامرة [٤]، و الدّور المزخرفة الّتى لها أجنحة كأجنحة النّسور [٥] و خراطيم كخراطيم الفيلة. من أولئك الّذين لا يندب قتيلهم [٦] و لا يفتقد
[١] الملاحم: جمع ملحمة، و هى الواقعة العظيمة
[٢] اللجب: الصياح، و اللجم: جمع لجام. و قعقعتها: ما يسمع من صوت اضطرابها بين أسنان الخيل
[٣] الحمحمة: صوت البرذون عند الشعير، و مر الفرس - أى: صوته - عند ما يقصر من الصهيل و يستعين بنفسه
[٤] جمع سكة، و هى الطريق المستوى، و هو إخبار عما يصيب تلك الطرق من تخريب ما حواليها من البنيان على يد صاحب الزنج، و قد تقدم خبره فى قيامه و سقوطه فراجعه
[٥] أجنحة الدور: رواشنها على التشبيه بأجنحة الطير، و قيل: إن الجناح و الروشن يشتركان فى إخراج الخشب من حائط الدار إلى الطريق بحيث لا يصل إلى جدار آخر يقابله، و إلا فهو الساباط و يختلفان فى أن الجناح يوضع له أعمدة من الطريق بخلاف الروشن، و خراطيمها: ما يعمل من الأخشاب و البوارى بارزة عن السقوف لوقاية الغرف عن الأمطار و شعاع الشمس. أو الخراطيم: هى الميازيب تطلى بالقار على طول نحو خمسة أذرع أو أزيد
[٦] أولئك أصحاب الزنجى، و إنما لا يندب من يقتل منهم لأن أكثرهم كانوا عبيدا لدهاقين البصرة، و لم يكونوا ذوى زوجات و أولاد، بل كانوا على هيئة الشطار عزابا فلا نادبة لهم. و قوله «و لا يفتقد غائبهم» يريد أنهم كثير فكلما قتل منهم قتيل سد غيره مسده، فلا يظهر أثر فقده. و قوله «أنا كاب الدنيا لوجهها» قد روى مثل ذلك عن عيسى ابن مريم عليه السّلام قال «أنا الذى كببت الدنيا على وجهها، ليس لى زوجة تموت، و لا بيت يخرب، و سادى الحجر، و فراشى المدر، و سراجى القمر» و العبارة كناية عن الزهادة فى الدنيا و الصدف عنها