نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٣ - ١٧٤ - و من خطبة له عليه السّلام
ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع، و القضاء الماضى قد تورّدّ [١] و إنّى متكلّم بعدة اللّه و حجّته، قال اللّه تعالى: (إِنَّ اَلَّذِينَ قٰالُوا رَبُّنَا اَللّٰهُ ثُمَّ اِسْتَقٰامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَلاّٰ تَخٰافُوا وَ لاٰ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) و قد قلتم ربّنا اللّه، فاستقيموا على كتابه و على منهاج أمره، و على الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمرقوا منها، و لا تبتدعوا فيها، و لا تخالفوا عنها، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة، ثمّ إيّاكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها [٢] و اجعلوا اللّسان واحدا، و ليخزن الرّجل لسانه [٣] فإنّ هذا اللّسان جموح بصاحبه، و اللّه ما أرى عبدا يتّقى تقوى تنفعه حتّى يخزن لسانه، و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه [٤]، و إنّ قلب المنافق من وراء لسانه، لأنّ
[١] تورد: هو تفعل كتنزل، أى: ورد شيئا بعد شىء. و المراد من القضاء الماضى ما قدر حدوثه من حادثة الخليفة الثالث و ما تبعها من الحوادث، و عدة اللّه - بكسر ففتح مخفف -: هى وعده، أى: لا تخرجوا منها.
[٢] تهزيع الشىء: تكسيره، و الصادق إذا كذب فقد انكسر صدقه، و الكريم إذا لؤم فقد انثلم كرمه. فهو نهى عن حطم الكمال بمعول النقص. و «تصريف الأخلاق»: من «صرفته» إذا قلبته، نهى عن النفاق و التلون فى الأخلاق، و هو معنى الأمر بجعل اللسان واحدا
[٣] ليخزن - كينصر - أى: ليحفظ لسانه، و الجموح: من «جمح الفرس» إذا غلب فارسه فيوشك أن يطرح به فى مهلكة فيرديه.
[٤] لسان المؤمن تابع لاعتقاده لا يقول إلا ما يعتقد، و المنافق يقول ما ينال به غايته الخبيثة، فاذا قال شيئا أخطره على قلبه حتى لا ينساه فيناقضه مرة أخرى «٨ - ن - ج - ٢» فيكون قلبه تابعا للسانه