موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٨٩ - مالية مكة و حياتها الاقتصادية
تشوه معالمها، بعد ان تكون قد ضربت في مختلف دور الضرب. و لذلك لم يكن غير الصراف المختص قادرا على التعرف على مختلف انواعها و تعيين مقاييس و أقيام الموجود منها في التداول بدقة و أحكام. و كانت هناك بالأضافة الى ذلك تعقيدات الاختلاف في معايير العملة و تذبذب أقيامها و أثمانها.
فقد كانت البلاد الخاضعة للحكم البيزنطي مثل سورية و مصر تعتبر من «أهل الذهب» اي من البلاد التي تعتمد على التعاطي بمعيار الذهب في العملة، بينما كانت بابل من «أهل الورق» أي من البلاد التي تعتمد على معيار الفضة الساساني. و لذلك كانت تنشط الحركة في أسواق مكة عشية رحيل القافلة الى الشام فيرتفع سعر الدينار، لأن التاجر المكي كان من رجال المال الذين لا يختلفون في كل وقت و مكان. فهو حينما تسنح الفرصة يبادر الى استثمار رأس ماله في المتاجرة و تنظيم القوافل و يسلفها الى رؤساء القافلة أو التجار أو غيرهم.
و لما كانت مكة مدينة تكثر فيها الحركة التجارية و يوجد فيها الصرافون و المصارف في الدرجة الأولى فقد كان فيها مؤسسات و أعراف تصلح لمثل هذا النوع من المعاملات. و كان من جملة هذه الربا أو الربح بأبشع أنواعه، عن طريق إقراض الدينار بدينار و الدرهم بدرهم أي الأقراض بنسبة مئة بالمئة. و لذلك احتجت قريش حينما حرم القرآن الربا بقولها انها لا ترى فيه سوى نوع من انواع البيع و الشراء، أو تأجير رأس المال. و كانت تشيع المضاربة كذلك، المضاربة على أسعار التحويل و أحمال القوافل و حاصلات الحقول و قطعان الأغنام، و على تزويد المدينة بالأزودة المطلوبة أيضا.
و كانت تؤلف جمعيات و همية و تعقد صفقات للبيع تقترض من أجلها ما تحتاجه من المبالغ. و لذلك يقول المؤرخ سترابو «ان كل عربي لا بد ان يكون تاجرا أو دلالا» . و حينما كان مواطنو مكة يساقون في حملات حربية كانوا يحملون معهم على الدوام بعض البضائع و السلع، و هذا ما فعلوه حينما توجهت قوة من مكة لا سعاف قافلة بدر. و يقول كاتب البحت