موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٨٢ - مكة قبل الهجرة
زمزم و الكعبة المقدسة، تقع في موقع تنتهي فيه أطراف آسية التي تسكنها الأقوام البيضاء من جهة و أفريقية السوداء من جهة أخرى، على مقربة من إحدى الفتحات التي تتخلل جبل الصراة، و في جوار ملتقى للطرق كان يؤدي من بابل و سورية الى مرتفعات اليمن و سواحل البحر الأحمر و المحيط الهندي. و بطريق البحر كانت تتصل بالقارة الأفريقية المجهولة.
و مما يذكر عن علاقات مكة الخارجية في تاريخها القديم ان سكانها كثيرا ما كانوا يدخلون في مفاوضات مع الدول المجاورة. و كانوا يحصلون منها على حسن المعاملة و حرية المرور لقوافلهم، و هو ما كان يطلق عليه مؤرخو العرب «ضمانة كسرى و قيصر» . و كانوا يعقدون اتفاقيات كذلك مع النجاشي في الحبشة، و شيوخ نجد الكبار، و أقيال اليمن، و ملوك الحيرة و الغساسنة. على أنهم لم يكن بوسعهم الحصول على معاملة «الباب المفتوح» في مفاوضاتهم مع الايرانيين و الأغريق، و لذلك كان التبادل التجاري يجري مع هؤلاء في الثغور الواقعة على الحدود او المدن التي تعين لهذا الغرض: و من هذه المدن في فلسطين كانت غزة و أيلة و ربما القدس أيضا، اما في سورية فقد كانت بصرى منفذهم الرئيس و سوقهم الكبرى.
و هناك في هذا المبحث أشارة الى ما جاء في الآية الكريمة عن «رحلة الشتاء و الصيف» ، و الى ان النسابة العرب يذكرون أسماء رؤساء قريش الذين توفقوا في الحصول على الرخص المطلوبة للمتاجرة بطريق المفاوضات.
و كان البلد الذي يحصلون على رخصة للمتاجرة فيه يسمى عندهم «وجه» او «متجر» ، كما كان هناك ما لا يحصى من القيود التي تحدد امتياز هذه المتاجرة. فلم تكن الدول الشرقية مثلا تسمح لأهل مكة بالتجارة الحرة و كانت بيزنطة أكثر شكا و ارتيابا بالأجانب، و لا سيما البدو منهم.
و لذلك كان العرب يحصلون على حق المتاجرة لقاء تضحيات كبيرة و تكاليف غير يسيرة، مثل دفع الضرائب الباهظة أو رسوم خاصة للكمارك و العبور أو وضع الرهائن.