موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٢٩ - العمرة الرجبية
المجاورين، و كنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة فكدنا لا نتخلص الى مسجد عائشة من الزحام و انسداد ثنيات الطريق بالهوادج.
و النيران قد اشعلت بحافتي الطريق كله، و الشمع يتقد بين ايدي الابل التي عليها هوادج من يشار اليه من عقائل نساء مكة.
فلما قضينا العمرة و طفنا و جئنا للسعي بين الصفا و المروة، و قد مضى هدء من الليل، ابصرناه كله سرجا و نيرانا و قد غص بالساعين و الساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتخلص الا بين هوادجهن و بين قوائم الابل لكثرة الزحام و اصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي اغرب ليالي الدنيا، فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به و لا عجبا يذكره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه، محرمين ملبين، داعين الى اللّه عز و جل ضارعين و الجبال المكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها، حتى سكّت المسامع، و سكبت من هول تلك المعاينة المدامع، و ذابت القلوب الخواشع.
و في تلك الليلة مليء المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا، و عند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير امر بضرب الطبول و الدبادب [١] و البوقات اشعارا بأنها ليلة الموسم.
و يوضح ابن جبير انه في صبيحة ليلة الخميس خرج الى العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد له اهل مكة على بكرة ابيهم فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة و حارة و حارة شاكّين في الأسلحة فرسانا و رجّالة فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة... فكانوا يخرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم و يلعبون بالاسلحة عليها... فلما كان اليوم الثاني، و هو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه، راكبين
[١] الواحد دبداب: نوع من الطبول.