المحيط في اللغة - الصاحب بن عباد - الصفحة ٢٩ - *** مصادره في كتابه
و مشافهة جريمة لا تغتفر؟؟ و كيف ساغ لنا أنْ نعدَّ كل من ينقل عن الكتب انه «لا يدري أصحيح ما كتب فيها أم لا»؟ و إِذا كان العالم المتعمق غير قادر على التمييز بين الصحيح و غيره فيما يقرؤه و يقف عليه فمن هو القادر إِذن؟، و لماذا هذا التفريق بين من أخذ من الكتب فأخطأ في بعض الحروف كالخارزنجي و مَنْ سمع من الأعلام فأخطأ أيضاً كأبي تراب و القتيبي؛ فنتهجم على الأول بكل قسوة و نعفو عن الثاني بكل رحابة صدر؟!.
انها لمسألة فيها أكثر من نظر.
و كيف لا يكون فيها أكثر من نظر، و نحن نعلم ان السماع ليس ملازماً للصحة دائماً، و هذا أبو عبيدة و الأصمعي و أبو زيد و أبو عمرو بن العلاء و المفضَّل و عيسى بن عمر و الخليل و سيبويه و أبو الخطاب و سعيد بن مسعدة الأخفش و أحمد بن حاتم و ابن الأعرابي و الكسائي و الفراء و اللحياني و ابن السكيت و ثعلب و المبرد و كثيرون غيرهم [٦٨] قد صحفَّوا و حرَّفوا و وقع بعضهم في أفحش الأغلاط مع كل التزامهم بالقراءة و السماع و الدقة.
و اذن. فما يقوله الأزهري خلال حملته على الخارزنجي و ما أثبته من حروف صحفها و أخرى أخطأ فيها- و هي لا تتجاوز تصحيفات الآخرين و أخطاءهم- إِنما هو أمر له دوافعه الخاصة و مثيراته التي لا تمت إِلى هذه المعاذير المزعومة بصلة.
ثم نعود إِلى الحملة الثانية التي شنَّها الأزهري على معاصره بشأن استدراكه على الخليل و تأليفه «تكملة كتاب العين» و استدلال الأزهري بذلك على «غفلة» الخارزنجي «و قلة فطنته و ضعف فهمه»، و انها لحملة ظالمة ليس
[٦٨] يراجع في تفاصيل تصحيفات هؤلاء: التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الاصبهاني: ١١٣- ١٥٤، و ما ورد في هوامش الصفحات من مراجع كل تصحيفة منها.