القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣١٧ - فصل في التشنّج
لضعف قوى أدمغتهم وأعصابهم، وضعف عضلهم، ويسهل خروجهم عنه لقوة قوى أكبادهم وقلوبهم، ولأن أخلاطهم ليست بعاصية شديدة الغلظ، ولذلك يعافون عن التشنج اليابس بسرعة لرطوبة مزاجهم ورطوبة غذائهم. وأما البالغون فلا يسهل أحد الأمرين فيهم. على أنه قد يعرض للصبيان تشنج رديء عقيب الحميات الحادة، وتكون معه العلامات التي تذكر، فقلما يتخلصون منها.
وأما من جاوز سبع سنين فلا يتشنج إلا لحمى صعبة جداً، ومن التشنّج ما يعرض للخوف، والسبب فيه أن الروح الباسط يغور دفعة ويستتبع العضل متحركة إلى المبادي، ثم تجمد على هيئتها. ومن التشنج ما يقع بسبب الاعتماد على بعض الأعضاء وهو منقبض، فتنصب إليه مادة وتحتبس فيه وفي هيئته وعلى هندام انقباضه، وربما كان عن ضربة فعلت ذلك، أو حمل حمل ثقيل أو نوم على مهاد صلب، وهذا مما يزول بنفسه، وربما كان هذا الخدر يصيب العضو لامتلاء من ماد منصبة تزاحم الروح المحرّك، وتمنع نفوذه فلا يمكن أن يحرك إلى الانبساط، وإذا عادت القوة، وفرّقت المادة انبسط. وقد يكون من الامتداد مثله، وهذا كثيراً ما يكون بعد النوم عند الانتباه إذا بقيت الأعضاء المقبوضة لا تتمدد، لأن الروح أيضاً في النوم أكسل، فلا يلج في الانبساط لميله إلى الاستبطان.
وأما التشنج اليابس، فمنه ما يكون عقيب الدواء المسهل، وهو رديء جداً، وكذلك عقيب كل استفراغ، ومنه ما يكون أيضاً عقيب الحميات المحرقة، أو خصوصاً في حمّيات السرسام، وعقيب الحركات العنيفة البدنية والنفسانية، كالسهر، والغم والخوف، وذلك مما يضل التخلص عنه، وقد يكون من التشنج ما يعرض في الحمّيات مع ذلك، وليس برديء جداً، وهو الذي يكون من تسييلها المواد في العصب والعضل، وخصوصاً إذا كان البدر ممتلئاً، وربما عرض ذلك فيها بمشاركة فم المعدة، ويزيله القيء. ومثل هذا التشنّج من الحميات ليس بذلك الصعب الرديء، إنما الصعب الرديء ما كان في الحميات المحرقة، والسرسام الذي يجفف العصب والعضل ويشوي الدماغ، وما كان في الحمّيات المزمنة الذي يجفف العصب والعضل، بل الدماغ ويفني الرطوبة الغريزية فيشنّج، وقد يكون من هذا اليابس ما يكون ويبطل سريعاً، والسبب فيه يبوسة الدماغ للضعف، فيتبعه يبوسة الأعصاب، فإنه إذا أصاب الدماغ أدنى سبب مجفف، استرجع الرطوبة من الأعصاب والنخاع، فانقبضت الأعصاب، ثم إذا عنيت الطبيعة بإفادة الدماغ رطوبة كافية عادت الأعضاء مطيعة للانبساط بتكلف، وكما يقع من شدة برد، فإنه كثيراً ما ينفع التشنج لبرودة الدماغ ومشاركة العضل له. والتشنّج المؤذي هو الكائن عن اليبوسة، ومن التشنج الكائن باليبوسة ما يكون بنوع جمود الرطوبة، فيقل حجمها ويتكاثف جماً، فيشنج العضو كما يقع من شدة البرد، وكما يقع لمن شرب الأدوية المخدرة كالأفيون. وأما التشنج الكائن بسبب الأذى فكتشنج شارب الخربق، فإنه يشنج بعد الإسهال باليبوسة ويشنج أيضاً قبله لمضادته وسميته، فيؤذي العصب أذى شديداً ينقبض معه. ومن هذا القبيل تشنج من قاء خلطاً زنجارياً