القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١١ - فصل في الاستدلال الكائن من جهة مقدار الرأس
والذي يرطب سريعاً فقد يكون لحرارة جوهره، وقد يكون لبرد جوهره وقد يكون لأنّ مزاج جوهره الأصلي رطب وقد يكون لأنّ مزاج جوهره الأصلي يابس، فإن كانت من حرارة كانت هناك علامات الحرارة ثم كان ذلك الترطيب ليس مما يكون دائماً ولكنه عقيب حرارة مفرطة وقعت في الدماغ، فجذبت الرطوبات إليه فملأته، ثم إن بقي المزاج الحار غالباً أعقبه اليبس النفض وإن غلبت الرطوبات عاد الدماغ فصار بارداً رطباً، وإن استويا حدثت في أكثر الأمر العفونة والأمراض العفنة والأورام، لأن هذه الرطوبة ليست بغريزيّة فتتصرف فيها الحرارة الغريزيّة تصرفاً طبيعيّاً، بل إنما تتصرف فيها تصرفاً غريباً وهو العفونة.
وأما إن كان لبرد المزاج لم يكن حدوث الرطوبة دفعةً، بل على الأيام ثم يصير الترطّب ويكون بسرعة وتكون علامات برودة مزاج الدماغ موجودة وإن كان ذلك لرطوبة الدماغ نفسه فتكون السرعة في ذلك لأحد شيئين: إمّا لأن الرطوبة بفعل البرد ويفسد البرد القوة الهاضمة المغيرة لما يصل إلى الدماغ من الغذاء، فيظهر ترطب فماذا حدث ذلك البرد دفعةً، كان الترطب بسرعة بعده دفعة. وإذا حدث مع ذلك سدد في المجاري، عرض أن تحبس الفضول، ثم هذا يكون دائماً ولازماً ليس مما يكون نادراً وكائناً دفعةً دفعةً.
وأمّا الكائن ليبوسة الدماغ، فسببه النشف الذي يقع دفعة إذا وقعت يبوسة، ويكون مع علامات اليبوسة المتقدمة ويكون شبيهاً بما يقع من الحرارة إلا فيما يختلفان فيه من علامات الحرارة وعلامات اليبوسة.
فهذه الدلائل المأخوذة من سرعة الانفعال وليس يجب أن يعتبر سرعة الانفعال بحسب ضعف القوى الطبيعية لا سيّما في الترطب، لأن ضعف القوى الطبيعية تابع لأحد هذه الأسباب، وليس كل الموافقات والمخالفات مأخوذة من جهة الكيفيّات، بل قد تؤخذ من جهة الهيئات والحركات كما يرى صاحب العلّة المعروفة بالبيضة، يؤثر الاستلقاء على سائر أوضاع ضجعته.
فصل في الاستدلال الكائن من جهة مقدار الرأس
وأمّا التعرُّف الكائن بحسب صغر الرأس وكبره، فيجب أن تعلم أنّ صغر الرأس سببه في الخلقة قلّة المادة، كما أنّ سبب كبره كثرة المادة، أعني المادة النطفيّة المتوزعة في التوزيع الطبيعي للرأس ثم إن كان قلة المادة مع قوة من القوة المصورة الأولى، كان حسن الشكل وكان أقل رداءة من الذي يجمع إلى صغر الرأس رداءة الشكل في الخلقة التي تدلّ، على ضعف القوّة، على أنه لا يخلو من ردِاءة في هيئة الدماغ وضعف من قواه وضيق لمجال القوى السياسية والطبيعية فيه. ولذلك ما بتّ أصحاب الفراسة القضية، بأنّ هذا الإنسان يكون لجوجاً جباناً سريع الغضب متحيّراً في الأمور.