التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٨ - المدرسة الاجتماعية
ايضاً. ولك ان تقارن بين مختلف الحضارات وعبر مختلف العصور وفي مختلف المستويات لكي تجد ان هناك قيماً معينة يشترك الجميع في تقديسها مثل قيمة النشاط والاحسان والامانة وان هناك سلوكاً معيناً يشترك الجميع في تقبيحه مثل الجريمة والاعتداء والسرقة وما اشبه.
بالرغم من اختلاف تفسيره هذه المنطلقات باختلاف الظروف، الا ان وحدة المفاهيم، الكلية، لدليل على وجود اصول انسانية ثابته، ولعل واحداً من هذه الاصول والذي تعترف به المدرسة الاجتماعية وتتطرّف في التركيز عليه هو اصل الاجتماع، حيث تجد كل البشر يحبّذون العيش الجمعي ويمجدّونه، أو ليست هذه قيمة راسخة في النفس البشرية فكيف نفسرها لو لم نقل بانها جاءت نتيجة حس ذاتي عند الانسان.
والاصل الثاني الذي يتفرّع عنه قيم معينة، هو اصل التقديس، فأنّى كان الانسان فانك تجده يقدس شيئاً، مبدأ أو ديناً أو شخصاً أو وطناً، ويضفي عليه غلالة من الكرامة، ويستعد للدفاع عنه بقوة.
صحيح ان الناس يختلفون في مدى تقديس شيء. وفي طريقة تقديسهم، وفي الاشياء التي يقدسونها، وحتى انهم يختلفون في الترميز لما يقدسونه ولكنهم لا يختلفون في اصل التقديس.
وحتى المبادئ الملحدة- كالماركسية- التي انكرت الدين واعتبرته صنيعة الظروف الاقتصادية تراها تقدّس اشياء مثل الحزب أو قيمة وتلتزم بطقوس تجاهها.
ومن يخرج عن اطار التقديس العملي فانه يحس بالذنب في ذاته وهذا دليل وجداني لا يمكن انكاره.
وهناك حقيقة هامة: ان الفلسفة تركز عادةً على الاصول المشتركة والقواعد الكلية فترى الجانب الثابت من الحقائق بينما العلم يبحث عن الميزات والحدود والفوارق فهو يركز نظره على الجوانب المتغيرة.
واصحاب المدرسة الاجتماعية، الذين شرعوا قوانين عامة للمنطق، وزعموا بان كل شيء متغير، هم ينتمون الى الفلسفة، اكثر من انتماءهم الى العلم اذ انهم بدروهم عمّموا احكامهم واطلقوا فيها، ولم يخصّصوا بظرف أو بآخر، وحسبما يقول «جنز برج» ان «كونت» الأب الروحي للمدرسة الاجتماعية ومؤسس المنطق الوضعي، انه كان فيلسوفاً