التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٣ - ١/ المدرسة الأفلاطونية ونقدها
نقد التصوّر الافلاطوني:
وهذه النظرية بحاجة الى وقفة ونقد .. فعالم المثل الذي اقترحه على أهل الارض يمثل- أولًا: طغياناً فلسفياً في الفكر ويجسّد- ثانياً: استبداداً في المجتمع كما انه يعني- ثالثاً: صرامة في القانون لا تحتملها حالة الضعف البشرية بالرغم من ان افلاطون انتبه الى هذه الصرامة فحاول التخفيف منها في تشريع القوانين. وهنا تعرف مدى قمية الرحمة الالهية (كسنّة الهية) تعادل الحكم الالهي- (القصاص- العفو، كمثل) ليكون الاسلام ديناً قابلًا للتطبيق على البشر ويبقى عالم المثل يغني به الفلاسفة وحدهم- الذين يقول عنهم البعض ان الفيلسوف منقطع عن الواقع الخارجي، وان الفلسفة هراء في هراء، اما عالم المثل والنظام الفكري القائم عليه، فهو ايغال في المجهول للبحث عن تفسير المعلوم .. ولو إننا اكتفينا بما نعلم عمّا لم نؤت اداةً لمعرفته، لكان افضل، ولعل نظريات شبيهة بعالم المثل الافلاطونية هي التي دفعت البعض الى اتخاذ آراء متطرفة تجاه الفلسفة حيث يقول البعض عنها [١].
انها ألاعيب ألفاظ، والألفاظ خالية من المضمون، الفاظ مستغلقة لا معنى لها الا في أحلام اصحابها، الفاظ غير مفهومة لأنها عامّة، رجراجة، مهترئة، لا تدلّ على شيء محدود واضح. كيف لا وهي تبدأ من حيث ينتهي وضوح الشيء، بل حيث لا يكون شيء البتة، ولا يبقى الا اللفظ، يضفي عليه كل صاحب مذهب فلسفي معنى خاصاً ومن هنا الخلط والابهام واللبس تشعب الآراء واختلاف مناحي التفكير، والدوران في حلقة مفرغة لا يعرف أولها من آخرها.
ويقول: إن الفلسفة التي تزعم معرفة حقائق الاشياء، وتطلق الاحكام جزافاً دون ان تلتمس الوسائل الفعّالة الكفيلة بالوصول الى ذلك، هي خادعة مضللة، انها تفرّ من الواقع وتحسب انها بذلك تنتصرعلى الواقع. فما أعجب أمرها [٢]!. ولكن هذه النظرة السلبية الى الفلسفة إنما يبررها الوله الذي شاع في القرون الغابرة
[١] - ابتاع المذاهب الوضعي.
[٢] - المسألة الفلسفية د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علما) ص ٣٨..