التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - أولا الحق بين الموضوعية والذاتية
وقد سبق ان هذا النقد موجه حين يكون مصدر شرعية الخير العام، أمراً مختلفاً عن حقوق الافراد، اما في هذه الحالة، فاننا نسعى- ابداً- للحصول على اكبر قدر من المصلحة للافراد، وبأقل قدر من التضحية. وحسب باتيفول: ان المشرع يجب ان يبحث عن أوسع اتفاق ممكن واكثره ادراكاً، أنّ فرض تضحيةٍ باسم الخير العام، لا يمكن قبولها لتعذّر تسويغها من الناحية الاخلاقية، اما لأن الطلب مبالغ فيه، أو لأن النتيجة التي تؤول على المجتمع، ليست متناسبة، إن مثل هذا الاجراء يؤدي الى تضحية الانسان (الفرد) في سبيل المجتمع، وهاذ امر غير مقبول [١].
ثايناً: في الانسان نزعتان. نزعة الذات ونزعة التجاوز للذات. الاولى تغذية شهوة البقاء وتدعوة اليالاخذ، بينما النزعة الثانية ميراث عقله، وتحبّب اليه العطاء، فبالنزعة الاولى نحب الملك والخلود وبالنزعة الثانية نمجّد الاحسان والتضحية، وكلما زادت قوة النزعة الثانية عند ابناء المجتمع كانوا اكثر تطوراً واقرب الى الحضارة والمدينة. والمصلحة العامة- سواء على صعيد مجتمع واحد، أو على صعيد الوطن والامة والبشرية لا فرق- قد تستمدّ شرعيتها من هذه النزعة، حيث يلتقي عند هذه النقطة القانون بالاخلاق. فترى الفرد يتنازل بطيب نفسه عن بعض حقوقه للمجتمع، ويخضع للقانون الذي يأمره بالتضحية، وان ملاحم البطولة في الحروب الدفاعية لأقوى شاهدة على هذه الحقيقة.
ولكن هذه الشرعية لا تتحوّل الى حالة قانونية، الا بعد اعتراف الناس بها، لأن التجاوز (الاحسان حسب المصطلح الشرعي) لا يكون الا بطيبة نفس الفرد. ومن هنا فان الدولة تقوم بدور توعية الناس بما عليهم ان يفعلوا للمصلحة العامة. ثم لا تعمل لا بقدر استجابتهم لافكارهم أو لا أقل في حدود تفويضهم لها بالعمل.
وهذا يؤكد دور الوجدان القانوني لدى المجتمع والذي لا يقوم بناء أي قانون الا به.
ويضرب (باتيفول) مثلًا لأثر التوعية، بقانون تحديد ساعات العمل، وكيف اعترف بفائدته حتى اولئك المخالفين له وذلك بفضل التوعية [٢].
وسيكون في المجتمع من يتجاوز ذاته. كما يكون فريق من الانتهازيين لا يهدفون الا
[١] - المصدر ص ١٠٣.
[٢] - راجع المصدر ص ١٠٤..