التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - الطاعة في المذهب الديني
تتصرف الطبيعة تجاهنا كما يتصرف سلطان شرقي تجاه «مماليك» له يستخدمهم في أغراض له غامضة .. فيتولّد لدى هذه المخلوقات التبعية (النابعة) شعوران: التمرّد لدى البعض، وحقدهم على الطاغية (وهذا هو الموقف الاخلاقي الذي يتوقّف عنده «شوبنهاور»schopenhauer) .. والاستسلام لدى الآخرين، بل وحتى العرفان، وحب الهدف المجهول (وهذه هي وجهة نظر «فيخته»fichte .. كما انها وجهة النظر التي نجحت في الحفاظ عليها حتى الان ..) [١].
٢- اما التبرير الثاني فيقول عنه غريغوار: (وتوجد مسيحية أصيلة من القديس اوغسطين حتى «باسكال»، ومن «فينيلون» حتى «كير كغارد»kier kegaard) تنزع على العكس الى إعلاء شأن الحب المنزّه، غير العقلاني، بل وحتى المخالف لأيّ عقل ( «بموجب اللامعقولية» بحسب كير كغارد) [٢].
ولعلّ لامنطقية امثولة «الطفل الضالّ»- الإنجيلية-، هذه اللامنطقية التي أثارت استنكار الكثيرين من العقلانين، ليست سوى برهان آخر على التعارض الاساسي بين الفعل الاخلاقي (بالمعنى الديني على الأقل) والاستنتاج الفكري [٣].
ولكن البصيرة القرآنية- كما قلنا آنفاً- تدعونا الى حب الله حباً عقلانياً وطاعته طاعة عقلانية لأنه اهل الطاعة فإنّ (له الاسماء الحسنى)، ولعل الجنة والنار، والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة وحتى السعادة الشاملة التي تنتظر المتقين، كلها معراج لبلوغ تلك الدرجة من الحبّ العميق، فالطاعة هنا أخلاقية (لأنها ناشئة وجدان الإنسان ان ربه هو أهل للعبادة) وهي عقلانية لأن الضمير يقول: بضرورة طاعة المولى، وتنسجم مع مسلّمات العقل الثابتة، وهي مصلحيّة أيضاً .. لأنها تسبب الفلاح ..
وهذه المصلحة قيمة حميدة يدعو اليها الدين، لأنها لا تتعارض مع سائر القيم، بل وتنسجم معها كاملًا.
[١] - المصدر ص ٢٢- ٢٣.
[٢] - المصدر ص ٢٣.
[٣] - المصدر ص ٢٣..