التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - نقد نظرية الشاطبي
تقديم مصلحة على ما هي اقلّ منها درجة مثلًا: قد يسبب الجهاد مع امام ظالم في معركة صغيرة، بفتح بلد لا ينفع الامة شيئاً، قد يسبّب في دعم حكمه الجائر، مما يعود على الامة بضرر كبير في الاقتصاد، (ادارة التجارية مثلًا) يعتبر حاجياً لا يستوجب تركه فساداً (فلا يعتبر ضرورياً) ولكنه يسبب حرجاً (فيعتبر حاجياً) حسب مصطلحهم.
فماذا نقدم؟ هل نقدم أمراً ضرورياً، ولكنه محدود جداً، أم امراً حاجياً ولكنه عام وشامل جداً؟
جيم- الترتيب الذي اعتمده الشاطبي في المصالح الضرورية، هو الآخر يخضع لهذا المعيار القادم، معيار الكثرة والقلة، فلو استوجب المحافظة على اموال الامة قتل شخص منهم فان المال هنا يقدم على النفس، لأن حفظه يصبح حفظاً للنظام العام، ويعتبر ترك حفظه مفسدة.
على ان هذا الترتيب- بذاته- غير معلوم من النصوص الشرعية؛ فمن قال ان حفظ الدين مقدم على النفس بوجه عام، فقد يكون حفظ النفس اهم لأن الدين شرع للنفس وقد قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» [١].
وقال عن قصة المكره على التظاهر بالكفر: «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمان» [٢].
فالحياة هي الاصل- بنص الدين ودلالة العقل وفطرة الوجدان انما سائر المصالح جاءت من اجل الانسان، بلى قد تقدم مصلحة الدين باعتباره يحتوي على جملة المصالح الانسانية وذلك من باب المعايير المرعية.
كذلك بين العقل والنسل، ثم بين النسل والمال، ليس هناك شاهد من عقل أو شرع، بتقديم العقل على النسل، والنسل على المال بصورة مطلقة، بل يرجع الامر الى سائر المعايير، فاذا كان الانسان يصاب بعاهة دائمة في عقله أو في سائر قواه الاساسية بسبب الزواج منعنا عنه الزواج، وقدمنا سلامته على انجابه ولكن هذا بسبب اصالة حفظ النفس وليس بسبب تقدم العقل على النسل، وكذلك لو اقتضى الزواج ذهاب كل
[١] - الانفال/ ٢٤.
[٢] - النحل/ ١٠٦..