التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - نقد المذهب الاجتماعي
وكانت تلك خطوة تراجعية عند (هوريو) عن ذلك المخطط الذي رسم «دور كايم» وسائر رواد علم الاجتماع له، حيث زعموا: ان مسؤولية القانون هي دراسة ما هو واقع فعلًا في المجتمع، وان واضع القانون هو الشعور الجمعي وبالتالي فانّ تكوّن القانون يتم عفوياً. بينما نجد (هوريو) يتراجع اولًا: من مستوى المجتمع الكبير الى مستوى المؤسسات الاجتماعية وثانياً: يعطي للمبادرات الفردية دوراً في تنظيم هذه المؤسسات (مثلًا تكوين الجمعية أو الحزب أو النقابة على اساس اهداف واضحة).
ولكن تبقى المشكلة عند (هوريو) غير محلولة، إذ انه قيّد علم القانون ولم يفرق بين مجال علم الاجتماع ومجال القانون حيث ان علم الاجتماع يدرس ما هو «قائم» بينما علم القانون يدرس ما «ينبغي» ان يكون، وهكذا انتقده «جيني» الخبير القانوني المعروف، لأنه لم يفرق بين الواقع (وهو مجال علم الاجتماع) والحقيقة (وهي مجال علم القانون) وانه فقط كان يهتم بدراسة الظاهرة الاجتماعية دون التبصّر فيها [١].
وهكذا تراجع علم الاجتماع خطوة اخرى على يد (ج. ديفي) الذي تأثر بهذا النقد واصرّ ان منهج علم الاجتماع لا يستعبد المثل العليا، ولكنه زعم ان هذه المثل تتجلى في المجتمع. وهكذا يجب ان نبحث في المجتمع، لكي نكتشف تلك المثل.
ولكن المشكلة الحادّة تبدو غير محلولة بهذا الاسلوب ايضاً إذ يبقى السؤال العريض:
هل الانسان الفرد مغلول اليدين، ولا يقدر ان يناضل من اجل العدالة. وإن عليه ان ينتظر مصيره المكتوب على جبين مجتمعه؟
بتعبير آخر ما دور الفرد في حركة المجتمع؟ هل هو دور انفعالي سلبي؟ أم دور فاعل؟ وفي مجال القانون هل على رجل القانون ان يناضل من أجل مبادئ سامية، أم انه يسجّل فقط الظواهر الاجتماعية ويستنبط منها بعض القواعد القانونية؟.
يبدو ان علم الاجتماع يتراجع مرة اخرى خطوة على يد (ج. كورفيتش) الذي ابتدع نظرية «الحادث التنظيمي» حيث: ان الفرد يستطيع ان يناضل من اجل المثل العليا، عبر اندماجه الفكري والروحي بمنظمة يتفاعل الفرد معها وينشط من خلالها، وهي تعمل بصفتها مؤسسة اجتماعية في سبيل المثل العليا. ولكن هذا الاندمالج، ليس عبر العقد
[١] - المصدر ص ٣٤..