التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - ٨/ نقد المدرسة الكانتية
الزمان والمكان عرضان ذاتيان (للنفس البشرية) أهي المعرفة أم هي الجهالة (فهل عرف هذه الحقيقة بالعلم أم بالجهل) ان (كانت) لا يتردد في القول بأنه اكتشف بصورة جازمة، طبيعة الزمان والمكان وهذا يعني انه عالم بحقيقة الزمان والمكان.
وهذا يعني- بدوره- ان ل- (كانت) كإنسان، نوراً كاشفاً، يستطيع ان يسلطه على نفسه، ويكشف فيها، حقيقة الزمان والمكان. ونحن اذا عرفنا هذه الحقيقة، وهي وجود نور في النفس يكشف الحقائق، ورأينا انفسنا نملك اشدّ القناعات بنتائج هذا النور، نعلم بأن البشر قادر على كشف الاشياء. ومقدار مايكتشف منها يكون واضحاً امامه، وذات قيمة تامّة لديه، وهذا ذات ما استهدفنا بالمذهب العقلي، وهو ينطوي على ردّ النسبية الذاتية [١].
ان الفلسفة- عموماً- تعتمد على التأمل الذاتي، وانما- بالتأمل- يريد (كانت) ان يثبت نظريته، وبهذا التأمل نستطيع جميعاً ان نميز بين الزمان والمكان، واستحالة التناقض، واستحالة وجود الشيء، بلا سبب، وسائر الحقائق الأولية التي يعرفها العقل بصورة أولية، وبين الاشياء المطلقة التي تجري عليها هذه الحقائق وحسب تعبير (كانت)، تتقولب بها.
بتعبير آخر كما ان العقل يعرف الزمان والمكان كذلك وبذات الوضوح يعرف ان هذين الامرين هما من حقائق الوجود، وليسا من حقائق النفس التي تضفيها على الوجود.
كذلك التاملات الاخلاقية، فالنية الحسنة، انما شهدناها بالوجدان. ولكن هناك حقائق اخرى اخلاقية هي الاخرى شهدناها بالوجدان ايضاً. مثلًا الصدق والامانة، واحترام حقوق الآخرين. وهذا الوجدان اقوى حجة وأبلغ دليل، ولا فرق- عندما يشهد الوجدان بشيء- بين ان يكون ذلك الشيء صغيراً أو كبيراً فرعاً أو اصلًا.
والذي غاب عن (كانت) ان هذا الوجدان ليس نهاية المطاف اذ يمكن ان يقول احد ما الذي يدعوني الى اتّباعه؟! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس، واذا تأملنا- عميقاً- وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد
[١] - الفكر الاسلامي مواجهة حضارية ص ١١٠- ١١١..