التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٩ - الأول الأمن
وهكذا كانت غاية الرسالات قيام الناس بالقسط ولكنها لن تتحقق من دون قوّة تفرض النظم. من هنا أنزل الله الحديد الذي فيه بأس شديد. وحمّل مسؤولية الدفاع عن القيم طائفة من الناس الذين ينصرون الله ورسله بالغيب.
وجاء في حديث مأثور عن الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام-: (ظالم غشوم خير من فتنة تدوم).
فالظالم لاذي يقيم النظام، ولو كان غشوماً فهو افضل من الفتنة التي تدوم وتشيع الفوضى فلا نظام ولا عدالة.
وحين ننظر الى الوراء ونثير حوادث التاريخ نجد من الناس التجأوا الى القانون بحثاً عن الأمن. وتنظيماً للعلاقة ثم استهدفوا العدالة منه. ولعلّنا نعود الى البحث التاريخي في فصل آت انشاء الله تعالى. وحين نجعل استقرار النظام هدف القانون المباشر. فان القانون الأمثل يكون ذلك القانون الأقدر على بسط الأمن. وتيسير العلاقات وضبط القواعد وإقامة العقوبات وما أشبه.
ثانياً: لاستقرار النظام درجات، يبدأ بمنع الفوضى، وينتهي بوضع قواعد قانونية لكل صغيرة وكبيرة من حياة البشر وحوادثها المتوقّعة. وعلينا ان ندرس- كما قلنا آنفاً- كل درجة من الاستقرار ونقيسها بسائر القيم. فأبسط درجات الاستقرار (الأمن) تسبق القسط ولكن الدرجات المتقدمة والعالية من الاستقرار لا تفضل على القسط.
وبتعبير آخر: كلما حققنا درجة من الاستقرار يجب ان نسعى لتحقيق هدف تلك الدرجة وذلك بتوفير القسط. وهكذا تتواصل درجات تكامل القانون بالنسبة الى كل الغايات القانونية الثلاث (الأمن- القسط- التقدم). دعنا نضرب مثلا.
استاذ قانوني يكتشف جزيرة يقطنها بشر منقطعون عن العالم. فإذا سادهم هذا الأستاذ وأراد ان ينظّم حياتهم، فلا ريب انه يبدأ بإيجاد قواعد معدودة تنظم علاقاتهم ببعضهم، ولكنه فور ما ينجح في ذلك. وحتى قبل ان يطبّق تلك القواعد يفكّر كيف يجعل تكل القواعد عادلة. تعطي كل ذي حق حقه. صحيح انه لا يجعل العدالة الهدف الأول ولكنه لا يتركها ايضاً، بل قد يجعلها هدفاً اسمى. فاذا استتّب قدر من الامن، واعتاد الناس على تلك القواعد إهتم بكيفية استغلال الاستقرار في سبيل اصلاح الجزيرة من الناحية المادية إلا ان التقدم المادي- بدوره- يقتضي قواعد جديدة، تنظم العلاقات