التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - اولا بين القيمة والحاجة
من هنا نجد بعض العلماء امثال (متلون روكشROKEACH) يرى ان هناك اختلافاً بين المفهومين، فالقيم في نظره عبارة عن تمثيلات معرفية لحاجات الفرد أو المجتمع وان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه عمل مثل هذه التمثيلات.
وفي ضوء ذلك يميز بينهما على اساس ان الحاجات تولد لدى جميع الكائنات سواءً الانسان أو الحيوان، في حين ان القيم يقتصر وجودها على الانسان [١].
والجدير بالذكر هنا ان مخ الانسان هو المخ الوحيد الذي فيه خلايا تقوم بعملية الاضفاء (أو التمثيل).
يقول في ذلك (هنري آرفوم) الانسان على خلاف الحيوانات مزوّد بقشرة دماغية تملك- فضلًا عن مراكز الاضفاء- عدداً يزيد مرتين على مراكز الارتباط، ومن المعلوم ان هذه المراكز الأخيرة لا توجد لدى حيوانات الدنيا، وانها قليلة العدد جداً لدى الثديات العليا. وانما لدى الإنسان- والانسان وحده- تنفرد الارتكاسات الطبيعية التي تحددها مراكز الاضفاء بانها خاضعة لمراكز الارتباط من حيث التوجيه والكف والمراقبة [٢].
ويضيف وليس من الغلوّ ان نقول: ان الانسان من الناحية الفاسيولوجية عبد قشرته الدماغية، وهذا التعلق حاسم فيما يتصل بتطوره الطبيعي مادامت القشرة الدماغية التي لا تتجدد تؤلف الحد النهائي في نمو الحياة
«ويقول: الانسان هارب من الحياة ولاجئ الى التجريد وان ذكائه التقني ينسف القيم المشخصة والغريزية جيمعاً» [٣].
حتى لو افترضنا بأن الحاجة هي وراء القيمة (هذه كفرضية سوف نثبت بطلانها فيما يلي من البحوث) حتى لو افترضنا ذلك فان هذه الحاجة تتحول في دماغ الانسان الى حاجة روحيّة، أو الى نوع من التمثيل المعرفي لكي تتحول الى درجة القيم.
اذن فالطعام قد يتحول- عند الانسان- الى قيمة، بينما يبقى عند الحيوان حاجة مادية، ومن هنا نعرف: ان الحاجة قد تكون مصدر «قيمة» ولكنها لن تكون (ذات
[١] - ارتقاء القيم، دراسة نفسية: تأليف د. عبد الطيف محمد خليفة ص ٤٢ والكتاب مطبوع في سلسلة عالم المعرفة. وهو ينقل ذلك عن بعض المؤلفات الانكليزية، ولاحتواء هذا الكتاب على حشد كبير من المصادر العربية والاجنبية فسوف نعتمد عليها في هذا الفصل كثيراً.
[٢] - فلسفة العمل، المطبوع في سلسلة زدني علماً ترجمة عادل العوّا ص ٦٩.
[٣] - المصدر ص ٧٠..