التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٩ - ٢/ مصدر شرعية القيمة
وهذا التبرير- حتى لو كان مقنعاً- يجعل الانسان يفضل مصالحه الذاتية على مصالح الآخرين. ويرى ان وجوده هو الاولى، فيصبح التناقض والصراع سمة العالم بينما الاخلاق بحاجة الى قوة كبيرة لتبريرها.
وقد سعى الانبياء والاوصياء- عليهم السلام- من اجل تطهير النفس البشرية من الانانية، ودفعها الى مستوى العيش مع الاخرين.
وكانت نتيجة ذلك كله ان تربّت البشرية على قيم الخير (وتحولت الى اعراف وقواعد قانونية ومناهج- تربوية).
ولكن الفكر المادي جاء يوجه تيار الثقافة الى الجهة المعاكسة تماماً، فهل لأنهم بعد ان اشبعوا بتلك القيم لم يحسون بالحاجة الى الدين كرّسها في نفوسهم (كما يزعم البعض) [١].
أو لأن امكانات العلم والتقنية الحديثة اطلقت شهوات البشر من عقالها الديني وجاء الفلاسفة يبرورن ذلك الانفلات (لانهم كانوا عادة يمثلون روح مجتمعاتهم والوجهة العامة فيها).
أو لأن الصراع بين الدين والعلم الذي سببه جمود الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر انعكس على التيار العام لفلاسفة بحيث لم يعد الفيلسوف حكيماً الا اذا تجرد عن الدين (كما كان الامر يعكس ذلك في القرون الوسطى تماماً).
وانّى كان السبب فإن فلاسفة القرنين الأخرين- ساروا في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الأنبياء- عليهم السلام-.
وكانت النتيجة انهم حبّذوا الكفر على الايمان، كيف؟
جوهر الكفر هو انكار الشيء بما له من ابعاد وظلال وحقوق بينما الايمان اعتراف به. واتجاه العلم الذي يجعل القيمة ذات الانسان يكفر- في البدأ لا أقل- لكل شيء وراء الذات.
وفي الواقع انما ينكر الانسان شيئاً لكي ينكر حقه عليه ويتخلّص- بالتالي- من أي التزام نحوه والفكر المادي سابقاً كان ينكر وجود الشيء لكي لا يلتزم تجاهه بحق. لان
[١] - يراجع فلسفة الاخلاق في الفصول الاخيره..