التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - التجاوز والاضفاء
يبدو واضحاً: ان هناك سبباً غير علمي، عند الذين يعالجون المثل الاعلى عند الانسان من الماديين، يدفعهم الى حذف احتمال ان يكون مصدره في عمق وجود الانسان، وانه مصدر متميز عن الاسباب المادية ولا يشبه هذا التصرف الا تصرف المثالية التي تبحث عن اسباب ميتافيزيقية لحقائق مادية وتقول- فرضاً- ان سبب الجوع عند الانسان جنّي ينفخ في روع الانسان الجائع، كم يبدو هذا جنوحاً عن الروح العلمية؟ كذلك محاولة ربط التضحية مثلًا بحاسة الجوع عند البشر، أو بشذوذ في الحاجة الجنسية، أو حتى بروح اجتماعية اعتقد بها دوركايم، ولكن دون ان يبين لنا سبباً وجيهاً لذلك.
فلماذا لا تكون ميزة الانسان في نزوعه الى المثل الاعلى هي سبب الروح الجمعيّة التي خلقت المجتمع؟ لماذا نعكس الحقيقة ونقول الروح الجمعية مصدر القيم ونبقى حائرين ولا نعرف السبب الحقيقي لهذه الروح الجمعية؟.
وبكلمة: كما ان الرغبة في الطعام نعلّلها بالجوع والبحث عن لذة الشبع مثلًا، كذلك دعنا نعلل النزوع الى المثل الاعلى بالفراغ الروحي والبحث عن لذة التعالي، دعنا نتحاور مع دوركايم في تبريره للمثل الاعلى.
يقول «دوركايم» في معرض تبريره للتفسير المادي للقيم:
بأيّ حق نضع المثل الاعلى خارج الطبيعة والعلم (مع) انه انما يتجلّى في الطبيعة ولذا فلا بد من ان يخضع لاسباب طبيعية [١].
ويضيف قائلًا:
وبالرغم من انه ليس بمجرد امكان بسيط تتصوره العقول فان من الواجب ان يتّصف بأنه مراد وان يتحلّى- من ثم- بقوة قادرة على تحريك ارادتنا، وتلك الاسباب- وحدها- هي التي تستطيع ان تجعل من المثل الاعلى واقعاً حياً.
ولكن هذه القوة تأتي- آخر الامر- لتتجسد في قوى عضلية، ولذا فانها لا يمكن ان تختلف عن سائر قوى الكون اختلافاً جوهرياً، فلماذا يتعذّر- اذاً- تحليلها وارجاعها الى عناصرها والبحث عن الاسباب التي حددت تركيبها والقيمة انما هي حصيلة هذا
[١] - القيمة بول سيزاري (ترجمة د. عادل العوّا) ص ١١..