التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - التجاوز والاضفاء
التجاوز والاضفاء:
التجاوز والاضفاء والتسامي حقائق بشرية حاولت فلسفة القيم العثور على تفسير مناسب لها، فلماذا ينزع البشر الى مثل اعلى، ولماذا يهوي المقدس والمتعالي- ولماذا يتجاوز ذاته للوصول الى ما هو اعلى. وما الذي يجعل التاريخ البشري في تطور دائم نحو ما هو افضل، ماذا كان وراء الانبعاث الحضاري في اوربا؟
ما الذي يدفع الانسان نحو التضحية بنفسه بل لماذا البشر يضفي حتى على حاجاته الطبيعية هالة من القداسة، يأكل الطعام، ويشرب الماء، ويمارس الجنس (كأي حي آخر) ولكنه يتميز عن سائر الاحياء بانه يجعل الطعام مقدساً، والشراب مثلًا، والحب رومانسياً.
إنه يمزج بين حاجاته الطبيعية، وبين مثله، واقرب مثل لذلك الحب الرومانسي.
الحاجة الى الجنس نزعة طبيعية عند كل حي ولكنها عند الانسان تندمج مع مُثل عليا، وقد تتجاوز ذاتها لتصبح حباً رومانسياً.
كيف؟.
في البدء ترى الانسان يصور الجنس الآخر على انه خلاصة الوجود يرى صورته في كل شيء كما يرى صورة كل شيء فيه، حتى عند قياسه بالمهام الحياتية يمزج معها صور الحبيب او الحبيبة.
وقد تنسى الحاجة الجنسية (مصدر القيمة الجنسية) ويتحول الحب الى حب رومانسي هدفه تجسيد المُثل العليا في صورة الجنس الآخر، الذي قد يكون مجرد وهم أو خيال.
يمكن تفسير المتعالي، بأسباب مادية (كالتي فعلها فرويد في عقله الباطن، ودور كايم في تأليهه المجتمع) ولكن هذا التفسير ليس ينقصه الدليل فقط، بل والانسجام مع سائر مفردات الموضوع المفسّر ايضاً.
ويبقى السؤال العريض .. اذا كان لدينا اتفاق على وجود «مثل اعلى» للانسان وانه سبب مباشر أو غير مباشر لكثير من افعال الانسان بل هو محرك للتاريخ عند الكثير، فلماذا البحث عن تفسير مادي له أليس هذا ابتعاداً عن روح الموضوعية في البحث العلمي.