التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٨ - باء - الغزالي ومعيار العام والخاص
اطلاقها تزاحم يؤدي الى تراكم رأس المال في يد قلة فيصبح به المال دولة بين فئة قليلة من الاغنياء، لاسيما اذا كان ذلك في صالح المستهلك وصالح اقتصاد الدولة العام [١].
ويضرب الدكتور (حسان) مثلًا لذلك بالقول: ومثال المصالح العامة في حق كافة الخلق، المصلحة القاضية بقتل المبتدع الداعي الى بدعته اذا غلب على الظن ضرره، وصار ذلك الضرر كلياً، ويضيف قائلًا: ومثال المصلحة الخاصة النادرة، المصلحة القاضية بفسخ نكاح زوجة المفقود [٢].
يبقى ان نسأل الغزالي وتابعيه، عن الحجة في تقديم المصلحة العامة، ولم يقيموها- حسب علمنا- بل انما ارسلوها ارسال القضايا الواضحة، وبالرغم من انها تبدو كذلك، ألا ان دراسة اصل هذا القول تساعدنا في معرفة ابعادها وما يمكن ان تقام حجة على هذا القول- فيما يبدو لي- الامور التالية:
اولًا: بديهة العقل إذ ان احترام حقوق المجتمع اعظم من احترام حق الفرد، لأن المجتمع هو الآخر متكون من افراد.
ويلاحظ على هذه الحجة، ان هذه البديهة كيف غابت عن تذكرة الشرع المقدس، علماً بأن الكتاب الكريم لم يدع بصيرة شرعية الا وذكّرنا بها.
ثانياً: موارد تقديمك الشريعة للمصالح العامة على المصالح الخاصة، وهي كثيرة وبعض الامثلة الآنفة الذكر تعتبر منها وهي تشهد على ذلك وغيرها كثير.
ونقدنا على هذه الحجة، انها تصلح مؤيدة، ولكن لا تصلح دليلًا، لأنها استقراء ناقص لا ينفع ألا من افادة يقيناً كافياً، فان اعتماد هذه القاعدة الاساسية من دون علم كان يعتبر نوعاً من الاسترسال أو حتى العمل بالظن.
ثالثاً: ان المصالح الشرعية تعتمد ادلتها ونصوصها، وهذه النصوص القيت الى العرف ولأن العرف- وبالذات عرف الفقهاء والعارفين بلغة الكتاب ومنطق الشريعة- يستنبط من تلك الادلة، انها تهتم بحالة سائر ابناء المجتمع، لا أفراد منهم على حساب الآخرين، وهذا المنهج في فقه النصوص، يجعلنا على ثقة بأن المصلحة العامة مقدمة على
[١] - مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها ص ١٧٧.
[٢] - نظرية المصلحة في الفقه الاسلامي ص ٣٣..