التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - العقل يكشف ذاته والواقع
العقل يكشف ذاته والواقع:
حين يطوف الانسان على نظريات المعرفة، ومدى الاختلاف بينها، بل مدى التناقض في كل نظرية، يجد انهم لا يزالون في اول الطريق، ويبدو ان اهم سببين لضلال البشرية عن حقيقة العلم وهي ابرز حقيقة وقاعدة لفهم سائر الحقائق الكبرى، هما السببان التاليان:
أولًا: انهم تكلفوا معرفة حقيقة العلم، والعلم يكشف الاشياء ويكشف ذاته ولكن ليس كما يكشف الاشياء فهو إذا يكشف الحقائق يحيط بها ولكن حين يكشف ذاته يكشفها بصفتها محيطاً وليس محاطاً، فكل شيء عرفناه معرفتنا بسائر الاشياء (معرفة الاحاطة) فهو ليس بعلم لان العلم يحيط ولا يحاط وهكذا يعرف العلم بآثاره ومن آثاره كشف الاشياء والاحاطة بها وليس من آثاره الانكشاف بالاشياء.
وهكذا تتسامى حقيقة العلم عن المعرفة، واولئك الفلاسفة حاولوا معرفة العلم بحقيقته لم يعرفوا الّا المعلومات بالعلم وليس ذات العلم.
ثانياً: انهم لم يفقهوا ان العلم نور الهي صفته، اعطاه ضوء للذات تكشف به الموضوع، فالعلم ليس ذاتاً، حتى نقول باحادية الذات والموضوع، والعلم ليس من نسخ سائر الاشياء التي نقيسه بها انه نور كاشف وليس شيئاً مكشوفاً.
وكما ان النار تحرق، والماء يسيل، والرياح تلقح، كذلك العلم يكشف، والغفلة عن ان نور العلم ليس من ذات الاشياء ولا من ذات الانسان جعلت الفلاسفة في حيرة فاذا كانت الاشياء نوراً اذاً لم يخف شيء منها واذا الذات نوراً اذاً لم يخف عليه شيء. كلا ان صفة العلم غير ذات البشر والله يعطيها للنفس البشرية (الذات) وهكذا يكون علم البشر من عند الله يؤتيه من يشاء، بقدر ما يشاء.
والعلم ليس فقط يكشف الحقائق بل انه يعطي الانسان ثقة كافية بما يكشفه فالثقة بالعلم من ذات العلم- وهو- إذ يكشف الحقائق- يراها مستقلة عن ذات البشر، ومستقلة عن العلم ذاته، ومستقلة بعضها عن بعض، بالرغم من حاجتها الى بعضها تلك الحاجة التي يستدلّ بها العلم الى انها مخلوقة مدبرة.