التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - ١/ خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم
والآن دعنا نستعرض مع (غريغوار) خلاصة افكاره عمّا رست عليه سفينة الباحثين عن الاخلاق انه يرى ثلاثة دروس في هذا الحقل:
الف- هجر الامل نهائياً، في عصر متأخر نسبياً، بإنشاء اخلاق، أو بنائها، أو «البرهان» عليها ... ومن البديهي انه لا يجب تنهيج هذه النظرة، فقد كان الاخلاقي يظهر في العصور القديمة ذاتها بمظهر «ناصح» فحسب .. غير ان العصر الحديث هو الذي سادت فيه حقاً (وبتأثير «كانت» بشكل خاص) فكرة ان المذهب الاخلاقي لا يستطيع ان يطمح الى اكثر من التنسيق العقلاني للمفاهيم الاخلاقية المقبولة سلفاً من قبل اولئك الذين نتوجه اليهم بالخطاب .. فهو لا يستطيع البرهان عليها بشكل قاطع [١] ..
واختلف عن المؤلف في هذا الموضوع حيث ان السعي نحو بناء فلسفي للاخلاق لا يزال قائماً، غير ان (كانت) طرح الفكرة التالية اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا السعي لان الوحي الذاتي للاخلاق يكفينا حسب نظريته.
باء- وبين ثلاث نظريات: الاخلاق منهاج علويّ، الاخلاق منهاج انساني، الاخلاق منهاج شخصي، وتجربة ذاتية. سادت الثالثة حسب رؤية (غريغوار).
اصبح الشعور الاخلاقي «باطنياً» بشكل ليس من الممكن انكاره: فقد مكث السلوك الاخلاقي ردحاً طويلًا من الزمن وهو يعرف بأنه خضوع (عن عقل أو عن احترام) لنظام علوي .. ولكنه شرع يميل منذ عصر «بايل» الى اتخاذ مظهر الانتماء الى نظام انساني بالاحرى .. أما اليوم فيعتبر بصورة عامة جداً كتجربة شخصية فعّالة [٢].
هنا ايضاً لا يمكن القبول بهذا التقسيم الحاد حيث انه لا تزال كل المدارس الفلسفية القديمة تجد انصاراً لها في عالمنا وبالتالي امتداداً وحسبما يعترف المؤلف فان النظرية العلوية تجد صداها عند لوسين مثلًا. ولكن نستطيع ان نقول ان نسبة الاهتمام تختلف من عصر لعصر بواحدة من المصادر الثلاث للإلهام الاخلاقي- السماء (الإله)، الانسان (الوجدان)، الفرد (التجربة الذاتية).
جيم- الانسان هو الحي الوحيد الذي يتعالى فهو لا يروي غرائزه فقط بل يتطلع
[١] - المصدر ص ١٣٤.
[٢] ١- المصدر ص ١٣٤..