التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢ - ٤/ التطوير في المنهج
والفقهاء- عادة- يتعرّضون لفروع في مختلف ابواب الفقه مما يقتضي تكراراً قد ينفع المقلد ولكنه يسبب ضجراً للباحث المجتهد، الذي لا يرى أمامه الا ذات الادلة تتكرر من باب لآخر، دون فارق يذكر. أوليس من الافضل- اذاً- ان نبحث ابواب الاثبات مرة واحدة في كل الفقه ثم نرجع اليه في كل باب باب، كما يفعل فقه القانون حديثاً.
وكما مناهج الاثبات، فكذلك الاصول العامة، مثل أصل الاستصحاب والبراءة والاشتغال، وما أشبه، فانك تجدها في اغلب ابواب الفقه بينما يناقشه الفقهاء في الاصول جملة واحدة، ولا اظن اننا بحاجة الى بحثه تفصيلًا في كل باب باب بصورة منفصلة، ومثل هذين المثلين الظاهرين هناك أمثلة خفية كثيرة جداً، يمكن ان نجمعها في باب واحد وفائدتها تكون للمجتهد كثيرة لان من مناهج الاجتهاد المقارنة بين الأشباه والنظائر.
باء- الاجتهاد في الموضوعات.
تختلف الموضوعات، التي هي مجال تطبيق الفقه في الفروع، الى نوعين: الموضوعات البسيطة التي يسهل على الناس معرفتها، فترجع اليهم، والموضوعات الفقهية المعقدة التي لا تعرف الا من خلال الخبرة الفقهية الى جنب الخبرة الموضوعية، وتشبه الى حد بعيد بتشخيص الأمراض، حيث لا يقدر كل شخص على تمييزها. بل صاحب الاختصاص- وحده- قادر على ذلك، في الفقه ليس كل انسان بقادر على تمييز الموضوعات ذات العلاقة بالفقه والشرع المقدَس فموضوع الطيَب والخبيث (مع انهما موضوعان لكم عام) وموضوع القبله، وكذلك الّيل والنهار وكذلك أهلّه الأشهر ومواقيت الحج، وما اشبه. كما موضوع الدورة الشهرية للنساء، وسائر الدماء التي تؤذيهن كلها من اختصاص الفقيه كذلك الموضوعات المستحدثة، فكيف نلقي على غير الفقهاء، مهمة كشف المعلاملات الربوية في البنوك؟ وكشف سائر المعاملات المحرّمة، الى ان نصل الى مسؤولية تطبيق العدالة في المجتمع؟.
وللاسلام منهجه المنطقي ونظامه المعرفي الذي سبقتُ الاشارة اليهما في الجزء الاول. الفقهاء هم الابصر بهذا النظام الذي يستطيع الفقيه به فقه الموضوعات الغامضة.
ولنضرب مثلًا: العدل مفهوم عام، ويفسره كلُّ بطريقته، فاذا امر الشرع بإقامة العدل. وقال الله تعالى: