من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٥ - يسلط رسله على من يشاء
[٨] أما عن الفيء فقد قال رسول الله للأنصار
«إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ
(فَيْءَ)
المُهَاجِرِينَ وَقَسَمْتُهَا فِيهِمْ وَإِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَتَرَكْتُهُمْ مَعَكُمْ.
قَالُوا: قَدْ شِئْنَا أَنْ تَقْسِمَهَا فِيهِمْ. فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَدَفَعَهُمْ عَنِ الأَنْصَارِ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَّا رَجُلَيْنِ وَهُمَا: سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا حَاجَةً] [١]، وبهذا تحمَّل الرسول مسؤولية الفقراء من المهاجرين، ووضع إصرها عن الأنصار من أهل المدينة برضا منهم، فكان الفيء كما ذكر الله لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الذين فروا من أجواء الكبت والإرهاب والكفر، والتحقوا بصفوف الحركة الرسالية والقيادة الصالحة التي استقرت آنذاك في المدينة المنورة، ولا ريب أنهم تحملوا بسبب هذا القرار ألوان الضغوط المعنوية والمادية، ولكنهم تجرعوا مضض الألم، ورضوا بكل ذلك في سبيل الوصول إلى أهدافهم السامية، التي تستحق أكبر التضحيات.
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إنهم مهاجرون خرجوا من بيوتهم وأموالهم بإرادتهم، ولكن الله يلفتنا إلى حقيقة مهمة: إذ يعتبرهم مُخرَجين، وهي أن العامل الرئيسي في هجرتهم هو الظلم والفساد وأجواء الكبت التي يصنعها الطواغيت، حيث إنهم يرفضون مبادئهم، والعيش الذليل في ظل حكمهم، كما أنهم لا يسمحون لهم بممارسة شعائرهم، وتطبيق دينهم، ووجدوا أنفسهم مجبرين على الهجرة كواجب شرعي لقوله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا [الأنفال: ٧٢] ولقوله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء: ٩٧] ولأنهم يعلمون أنهم مسؤولون عن تطبيق أحكام الله، والالتزام بها ما دامت في الأرض بقعة متحررة، كما يدركون أن الحرية لا يمكن المساومة عليها فهاجروا.
ثم يحدد القرآن الأهداف السليمة للمهاجر الصادق وهي ثلاثة
الأول: البحث عن الفضل، ونتساءل: هل مفارقة الأهل والأوطان، وتجرُّع الفقر من الفضل؟ بلى؛ لأن المستقبل الكريم ليس بتوافر الوسائل المادية وحدها، وهل في الغنى والرفاه فضل إذا فقد الإنسان الحرية والكرامة، واستلبه الطغاة الأمن والسلام؟ كلا .. أما المؤمنون الصادقون الواعون فإنهم يرون الفضل في المزيد من الإيمان والعلم، والالتزام بالقيم والعيش بحرية واستقلال وكرامة في كنف القيادة والحركة الرسالية، وكل ذلك يجدونه في الهجرة.
ثم إنهم لا يقتصر نظرهم على الحياة الدنيا، بل ينفذون ببصائرهم إلى دار الآخرة، حيث المستقبل الأبدي الذي ينبغي السعي للفلاح فيه، ولو تطلب الأمر التضحية بكل ما في الدنيا
[١] بحار الأنوار: ج ٢٠ ص ١٦٨، تفسير القمي: ج ٢ ص ٣٦٠.