من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٤ - يسلط رسله على من يشاء
اقتصاد المجتمع، وتعتبر هذه الحكمة من الأصول العملية التي نستطيع أن نستنبط منها الكثير من الأحكام الفرعية مثل تحديد مجالات الملكية، وسبل مقاومة الاحتكار، ووضع ضرائب متصاعدة كل ذلك إذا رأى الفقيه الحاكم ضرورة في ذلك.
ولأن مقاومة طغيان الثروة من أعظم إنجازات الحكم الإسلامي، وأهم مقاصده وأصعب مهامه فإن السياق القرآني أوجب التسليم التام للقيادة الشرعية وقال وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا لأنه مفوَّض بذلك من قبل الله، الأعرف بأحكامه في كل شيء، ولا فرق من حيث الإلزام بين أمر الله وأمر رسوله، والقيادة الشرعية التي تخلفه، وفي هذه الآية رد محكم على محاولات المنافقين التشكيك في قيادته صلى الله عليه واله وللإمام الصادق عليه السلام في هذه المسألة حديث مفصل جاء فيه
«إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الأَدَبَ قَالَ
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ والأُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَهُ فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ
وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
وإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله كَانَ مُسَدَّداً مُوَفَّقاً مُؤَيَّداً بِرُوحِ القُدُسِ لَا يَزِلُّ ولَا يُخْطِئُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الخَلْقَ فَتَأَدَّبَ بِآدَابِ ..
ثم قال الإمام الصادق عليه السلام بعد حديث مطوَّل حول أوامر ونواهي الرسول الأعظم
... فَوَافَقَ أَمْرُ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله أَمْرَ الله عَزَّ وجَلَّ ونَهْيُهُ نَهْيَ الله عَزَّ وجَلَّ، ووَجَبَ عَلَى العِبَادِ التَّسْلِيمُ لَهُ كَالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى] [١] لقوله عز وجل
مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠].
ويحذر الله الذين يشكِّكون في القيادة الإلهية، والذين يتخلفون عن طاعتها والتسليم لأمرها ونهيها من عذابه الشديد باعتبارهم من صف المشاقين لله ولرسوله، المستحقين لجزائهم فيقول وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ونهتدي من الأمر بالتقوى إلى كونها الصفة التي ترفع الإنسان إلى مستوى التسليم والطاعة للقيادة، وأن الطاعة لها امتداد للتقوى في حياة الإنسان، ودليل عليها، وليست التقوى هنا الخوف من الله وحسب إنما هي تلك القمة السامقة من الإيمان والمعرفة بالله، والوعي بالحق.
وعقاب الله الذي يتوعد به الأمة التي تشاقق قيادتها، وتخالف أوامرها ليس عذاب الآخرة وحسب إنما تلقاه في الدنيا أيضا متمثلا في التفرق، لأن الطاعة ضمانة الوحدة، لأن الطاعة للقيادة الإلهية طريق التقدم، وفي عدم طاعتها تتسلط الطغاة، ويعم الباطل، وبتعبير القرآن تنقلب الأمة على أعقابها، فتبدأ المسيرة التراجعية إلى الوراء بدل التقدم، وهذا مصير كل أمة تخالف قيادتها وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤].
[١] الكافي: ج ١، ص ٢٦٦.