من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
يلجأ إليها الإنسان تهرُّباً من المسؤولية. إنك تراه يقبل كل شيء، يقبل أن يكون عبدا للشجر وللحجر وللبقر لا فرق لكي يفر من ثقل المسؤولية. إذن فمتى ما طهرت نفسه من درن تلك الأصنام، القائمة على أساس الثقافة الجاهلية الضالة، القائمة بدورها على الظن وهوى النفس، فإنه يومئذ مجرد أن يقف أمام المسؤولية بلا تبريرات يجد نفسه أمام حجة بالغة تضطره إلى التسليم لها عمليا.
بينات من الآيات
[٣١- ٣٢] لقد دعا الله المؤمنين إلى الإعراض عمن تولى، ولأن البعض لا يعرض عن الكيان الجاهلي خشية الضعف والفقر، أكد القرآن أن الله هو الغني الذي يملك خزائن الكون، والقوي الذي يهيمن على الحياة. فلماذا الخشية إذن من مقاومة الانحراف؟ ورفض هيمنة المنحرفين؟.
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ فهو وحده الذي وضع سنن الكائنات ويهيمن عليها ويجريها بقدرته وعدالته لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا عدلا السيئة بمثلها، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى فضلا، فالحسنة بعشر أمثالها، وتتضاعف وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥].
وبالتدبر في شطري الآية الكريمة الشطر الأول الذي ينطوي على فكرة التوحيد وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، والشطر الثاني الذي ينطوي على فكرة المسؤولية المنبثقة من حقيقة الجزاء لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا فإننا نعرف العلاقة الوثيقة بينهما، وذلك أن الذين ينحرفون يحاولون التملص من مسؤولياتهم بالشرك. والحق أن التوحيد يعني نفي الشريك، وهذا بدوره ينفي التبرير، إذن فالموحد الحق هو الذي يتهيأ لحمل المسؤولية. إن هذه الآية تنسف ثقافة التبرير المتجسدة في عبادة الأنداد كالملائكة والأصنام وحتى العباد الصالحين تمنِّياً للشفاعة، وذلك ببيان أن الله يُجري عدالته في الحياة، ولا أحد يستطيع فرض إرادته عليه، لأن الحياة تكوينيًّا وتشريعيًّا له وحده لا يشاركه فيها أحد، وإذا كانت ثمة هيمنة ظاهرية للملائكة فهي تنفيذية وبإذن الله، وتبقى الهيمنة الحقيقية المطلقة لله وحده، فلا مهرب منه إلا إليه ولا شفاعة إلا من بعد إذنه، ولا أنداد قادرين على تغيير سنن الله في الخليقة حسب أهوائهم وبالذات سنة الجزاء العادل.
ثم إن تأكيد القرآن على بيان العدالة الإلهية في الجزاء في أكثر سور القرآن إنما هو ليزرع الاطمئنان العميق في قلب البشر إلى وقوع الجزاء. الأمر الذي يبعثه نحو عمل الخير ويزجره عن الشر إلا أن العدالة وبالتالي المسؤولية فكرة قاسية لا يتحملها القلب البشري الذي من