من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣ - أم للإنسان ما تمنى
[٢١- ٢٢] وربما كان المشركون يعتقدون بأن هذه الأصنام هي رموز لملائكة في السماء، فهم يقدسونها لكي تقربهم إلى تلك الملائكة، وهي بدورها تشفع لهم عند الله، كما قالوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، وحيث يعتقد الجاهلون بأن الملائكة إناث فقد سموا هذه الأصنام تسمية الأنثى ونسبوها إليه عز وجل، والقرآن يستنكر هذه النسبة التي لا تقوم على أساس من العلم والحق.
أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى وحيث يعتقد المشركون بأن الذكر أفضل من الأنثى فكان ينبغي على ضوء عقيدتهم أن يتقربوا إلى الله بالأحسن لا الأسوأ، ومن هذا المنطلق تكون قسمتهم ظالمة حتى حسب معتقداتهم الضالة.
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى بعيدة عن الحق، وهم لم يروا الملائكة ولم يشهدوا خلقهم حتى يزعموا أنهم كانوا إناثا!، وهنا تتضح منهجية القرآن، فهو يحطم العقائد المنحرفة من بُناها الأساسية، وذلك يزيل القدسية التي يعتقدونها في أصنامهم، ببيان أظهر الأدلة على زيفهم وانحرافهم، مع أن الأظهر قد لا يكون هو أهم الأدلة، وقد لا يعبر عن كل الحقيقة، ولكنه يحطم القدسية التي أضفوها على معتقداتهم ورموزها من الأصنام والطغاة، وبعد أن تزول عقبة القدسية الموهومة عن طريق النفس يتحرر الفكر، وينطلق للبحث عن الحقيقة، فيطرح القرآن الحقائق الأعمق للنظر فيها.
[٢٣] وبعد التمهيد المتقدم الذي استهدف إزالة قدسية معتقدات المشركين ينسف القرآن أفكارهم من أساسها نسفا، وذلك ببيان أنها لا رصيد لها أبدا من الواقع والحق، وأنها لا تقوم إلا على الأوهام والظنون.
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فهي لا واقعية لها، بل هي مجرد أسماء ورموز لا مسميات لها، ولعل معنى ذلك أن قوة هذه الأصنام نابعة من ظنونكم وأوهامكم، لا من واقع حق وراء ذلك. أَوَليس ما يتصوره البشر من صور خيالية قائمة بنفسه، ويكفي لإزالتها مجرد توقف الخيال عن تصورها؟.
تصور الآن نهرا من لجين مذاب، واختر له اسما مثلا (نهلجين)، ثم أوقف عملية التصور، ماذا يبقى من هذا الذي سميته (نهلجين)؟ لا شيء، كذلك حين يوقف المشرك توهمه لقدسية الأصنام لا يبقى منها شيء، وكذلك الطغاة (وهي الأصنام البشرية) تزول قوتهم وهيبتهم بمجرد إحساس المستضعفين بواقع أمرهم وانتزاع وهم القدسية عنهم. أليس كذلك؟.
ثم إن هذه الأسماء لا شرعية لها، لأن الشرعية تأتي من عند الله وحده، وليس هناك دليل