من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٣
فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ كلٌّ إلى مقصده. وهذه الدعوة المنطوية على الأمر بالسعي لشؤون الدنيا تهدينا إلى أن الصلاة والعبادة ليست بديلا عن ممارسة الحياة الطبيعية والاجتماعية، كما فهمها بعض المتصوفة، فالدين منهج لتوجيه الإنسان وقيادة الحياة، يجد الناس فيه فرصة للعبادة ومنهجا للسعي والعمل، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام يفسر هذه الآية
«إِنِّي لَأَرْكَبُ فِي الحَاجَةِ الَّتِي كَفَانِيهَا اللهُ مَا أَرْكَبُ فِيهَا إِلَّا لِالتِمَاسِ أَنْ يَرَانِيَ اللهُ أُضْحِي فِي طَلَبِ الحَلَالِ أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ الله عَزَّ وجَلَّ
فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَيْتاً وطَيَّنَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وقَالَ رِزْقِي يَنْزِلُ عَلَيَّ كَانَ يَكُونُ هَذَا أَمَا إِنَّهُ يَكُونُ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ.
قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ
رَجُلٌ عِنْدَهُ المَرْأَةُ فَيَدْعُو عَلَيْهَا فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ لِأَنَّ عِصْمَتَهَا فِي يَدِهِ ولَوْ شَاءَ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا، والرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ فَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَجْحَدُهُ حَقَّهُ فَيَدْعُو عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ، والرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ فَيَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَنْتَشِرُ ولَا يَطْلُبُ ولَا يَلْتَمِسُ الرِّزْقَ حَتَّى يَأْكُلَهُ فَيَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ»
[١]، بلى؛ إن فضل الله ورزقه يُنال بالسعي والعمل الحثيث من أجله، لذلك يقول تعالى بعد الدعوة للانتشار وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي إنكم حينئذ في موضع يُرتجى فيه الفضل والرزق أو تجدون أنفسكم أمام فضل من الله تصيبون منه رزقكم.
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وأهمية الاستمرار في ذكر الله للإنسان حيث ينتشر في الأرض ويبتغي من فضل الله أنه يجنبه الانحراف والوقوع في الأخطاء بسبب نسيان الله، فإن ذاكر الله لا يسعى نحو الحرام، ولا يسلك الطرق الملتوية، ولا يغش الناس ويضرهم، فهو يُرتجى له الصلاح والفلاح.
ومن اللطائف الواردة في هذه الآية أنه تعالى قال فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ ببناء الفعل للمجهول في حين يفترض أن يقول: فإذا قضيتم الصلاة، وصلًا بخطابه الآنف للمؤمنين، إلا أن هذه الصيغة للفعل تعطي حرمة لوقت الصلاة بالذات، بحيث يكون المفهوم أن البيع وقت صلاة الجمعة المستوفية شروطها حرام لمن شهد الصلاة مع المسلمين ولمن لم يشهدها عمدا، ولو جاء التعبير للمعلوم: فإذا قضيتم الصلاة لكان الحكم منحصرا بالمصلين فقط ولا يشمل غير المصلين.
[١١] وبعد أن يرسم الوحي للمؤمنين الموقف المطلوب تجاه صلاة الجمعة- وهو السعي لذكر الله وترك البيع وقتها- ينثني السياق القرآني لنقد ظاهرة الانفضاض إلى شؤون
[١] وسائل الشيعة: ج ١٧، ص ٢٨.