من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - إن هو إلا وحي يوحى
صُنْعِهِ وَبَدَائِع خَلْقِهِ،
قلت: فقول الله عز وجل ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى قال عليه السلام
«ذَاكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله دَنَا مِنْ حُجُبِ النُّورِ، فَرَأَى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، ثُمَّ تَدَلَّى صلى الله عليه واله فَنَظَرَ مِنْ تَحْتِهِ إِلَى مَلَكُوتِ الأَرْضِ» [١].
وفي حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمن قال: [قُلْتُ لِأَبِي الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام لِأَيِّ عِلَّةٍ عَرَجَ اللهُ بِنَبِيِّهِ صلى الله عليه واله إِلَى السَّمَاءِ وَمِنْهَا إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَمِنْهَا إِلَى حُجُبِ النُّورِ وَخَاطَبَهُ وَنَاجَاهُ هُنَاكَ وَاللهُ لَايُوصَفُ بِمَكَانٍ؟ فَقَالَ عليه السلام
إِنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ يُشَرِّفَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَسُكَّانَ سَمَاوَاتِهِ، وَيُكْرِمَهُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ، وَيُرِيَهُ مِنْ عَجَائِبِ عَظَمَتِهِ، مَا يُخْبِرُ بِهِ بَعْدَ هُبُوطِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَقُولُهُ المُشَبِّهُونَ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ» [٢].
وقد يكون التدلي الأخذ من المعرفة والعلم، كقولنا: تدلَّى فلان إذا أرسل دلوه في البئر، واغترف منه ماء، فإن الرسول كان يتدلى معرفة من بحار العلم والنور التي مر بها في ملكوت السماوات السبع أثناء رحلة المعراج، قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في جواب له عن سؤال رجل عن هذه الآية ومعنى فَتَدَلَّى: [إ
نَّ هَذِهِ لُغَةٌ فِي قُرَيْشٍ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: قَدْ سَمِعْتُ، يَقُولُ: قَدْ تَدَلَّيْتُ، وَإِنَّمَا التَّدَلِّي الفَهْمُ»
[٣] وكلما فهم الإنسان الحقائق، ازداد معرفة بربه، وتقرب إليه ودنا منه، ولعل مرور الرسول في عروجه بملكوت السماوات، ومشاهدته لما فيها من الآيات التي كانت تعرفه بربه أكثر فأكثر كلما صعد في الأفق نحو الحد الذي وصل إليه وتجلى له فيه نور ربه، كان تهيئة له ليرى التجلي الأعظم لله في نوره الذي قرب منه الرسول الأعظم صلى الله عليه واله.
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أبدا ليس الله بعيدا عن خلقه. أَوَلم تقرأ في الدعاء
«وَأَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ، وَأَنَّكَ لَا تَحْجُبُ عَنْ خَلْقِكَ، وَلَكِنْ تَحْجُبُهُمُ الأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ دُونَكَ»
[٤]. ولكن الإنسان هو البعيد عن ربه. أوليس قد تراكمت على نفسه حجب الغفلة والجهل والمعاصي، فكيف يتلقى نور ربه؟!.
وهب أنه طهَّر قلبه من كل ذلك فكيف تستقبل هذه النفس المحدودة العاجزة أنوار عظمة الخالق دون أن يتصدع قلبه؟ أَوَليست قدرة الاحتمال عند النفس البشرية محدودة؟ وهل تصبر العين على التركيز في قرص الشمس طويلا؟ كلا ..
[١] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٣٤٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٣١٥.
[٣] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٣١٣.
[٤] البلد الأمين: ص ٥٨٨.