من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٨
الحقيقة أنه انتقص من عمره هذا القدر. ثم هل ينتهي بالبشر المطاف عند الموت حتى يطلق لنفسه العنان، ويسير في الحياة حيث يريد؟! إنما الموت قنطرة إلى الحساب والجزاء، والمحاسب هو الله الذي لا يخفى عليه شيء، أما الحياة الدنيا فإنها ليست حياة اللهو واللعب، إنما هي عرصة المسؤولية والالتزام أمام الله بما يأمر به وينهى عنه.
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وحري بالإنسان الذي يواجه تحدي الزمن والموت أن يتسلح بالإيمان والعمل، لأنهما الطريق الوحيد لانتهاز فرصة العمر، وإذا كان البشر عاجزا عن الفرار من الموت فهو لا ريب قادر على اختيار العاقبة الحسنى بالعمل الصالح، الذي هو سفينة النجاة والميزان الأوحد عند الله، لا الحسب والنسب أو الانتماء الظاهر.
[٩] وهكذا مهد الله- بالآية السابقة- للحديث عن الجمعة واعتبارها عيداً للأمة، ويؤكد استقلالها في شعائرها بالإضافة إلى استقلالها في رسالتها عن الأمم الأخرى، كالنصاري واليهود الذين لهم رسالتهم (التوراة والإنجيل) وعيدهم (السبت والأحد) [١]، ويعطي القرآن في هذه السورة صلاة الجمعة ويومها الموقع والمفهوم الحقيقي في منهج الإسلام، فالجمعة على الصعيد الخارجي رمز الاستقلال وعلى الصعيد الداخلي رمز الوحدة والائتلاف.
ومن هذه الحيثيات وأخرى غيرها تأتي الدعوة الإلهية بالسعي لصلاة الجمعة وترك كل ما سواها لهوا أو بيعا أو ما أشبه من شؤون الدنيا، وهكذا أصبح السعي إلى الجمعة لدى بعض المسلمين (مذاهب وعلماء) أمرا مفروضا بإجماع الأمة عند توافر شروطها، وجاء في كتاب من لا يحضره الفقيه مروياً
«أَنَّهُ كَانَ بِالمَدِينَةِ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ نَادَى مُنَادٍ حُرِّمَ البَيْعُ لِقَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ] [٢]. وقال الإمام الباقر عليه السلام يصف اهتمام الرعيل الأول من المسلمين بالجمعة
«واللهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله كَانُوا يَتَجَهَّزُونَ لِلْجُمُعَةِ يَوْمَ الخَمِيسِ»
[٣]، وعن جابر بن عبد الله قال: [أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله الجُمُعَةَ فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَيْهَا فَمَا بَقِيَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَنَا فِيهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ] [٤]، وقال الحسن أبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه واله يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه واله إلا رهط، فنزلت الآية،
[١] وهناك إشارات لهذه الفكرة في الأخبار: قال رسول الله صلى الله عليه واله
«كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا تَهَيَّأَ أَحَدُكُمْ لِلْجُمُعَةِ عَشِيَّةَ الخَمِيسِ كَمَا تَتَهَيَّأُ اليَهُودُ عَشِيَّةَ الجُمُعَةِ لِسَبْتِهِمْ؟»
مستدرك الوسائل: ج ٦، ص ٤٣.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ٢٩٩.
[٣] الكافي: ج ٣، ص ٤١٥.
[٤] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٥٩.