من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٥ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
يريد الله له العزة وبالذات من تعرض لأذى الكفار والظلمة كالتهجير والاعتقال أن ينسى جراحه، ويود عدوه.
ثالثاً: لأن موادتهم نقيض لأهم قيمتين عند المؤمنين وهما الجهاد في سبيل الله، وابتغاء مرضاته. بلى؛ الجهاد لإعلاء كلمة الله، وتحرير البلاد والعباد من ربقة الجبت والطاغوت هو صبغة العلاقة بين المؤمنين وأعداء الرسالة، وهو بحاجة إلى الشدة منهم، في حين أن حبهم وتوليهم يفرغ الجهاد من هذه الروح، ثم لماذا موادتهم وتوليهم، هل لنيل رضاهم فإن ذلك لا يرضي الله عز وجل؟ لأن السبيل إلى رضاه باتجاه مناقض تماما لسبيل رضا أعدائه، كما تشير الآية إلى ذلك في نهايتها.
إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي وينطوي هذا المقطع على بيان عميق لمعنى الهجرة في سبيل الله عز وجل في مفهوم القرآن، حيث تعني الانقطاع التام عن الأعداء، وهجرتهم ماديًّا ومعنويًّا أوليس مقياس المؤمن هو الدين، يحب عليه، ويبغض عليه، حتى ورد عن الإمام الصادق عليه السلام
«كُلُّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَلَى الدِّينِ ولَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ فَلَا دِينَ لَهُ» [١].
وحيث يريد الله أن يستخلص قلوب المؤمنين له وحده نهاهم بصورة غير مباشرة حتى عن مجرد المودة الخفية التي يلقيها إليهم بعيدا عن علم الآخرين، وذلك ببيان إحاطة علمه بها.
تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وعبثا يظن بعض الناس بأن موادة الأعداء تصير به إلى مصلحة حقيقية في الدنيا أو في الآخرة، كلا ..
وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ يعني النهج والطريق السليم الذي يوصل الإنسان إلى أهدافه ومصالحه، فإن ذلك في اتباع كتاب الله وتولي أوليائه، وليس في موادة أعدائه.
[٢- ٤] ويبين القرآن كيف أن من يواد الأعداء أو يتولهم يضل سواء السبيل
أولًا: لأن موادتهم لا تغير شيئا من عدائهم المبدئي للمؤمنين ولدينهم، فلربما تظاهروا بحب المؤمنين ولكنهم يكنون العداء لهم، ويستهدفون القضاء على الحق وأهله، فهم لو غلبوا المؤمنين أذاقوهم ألوان العذاب.
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً والآية توحي بأن الكفار يسعون للتسلط على المؤمنين والظفر بهم، وأنهم إنما يتظاهرون بقبول المودة ما دام المؤمنون نِدًّا لهم في القوة أو أقوى منهم،
[١] الكافي، ج ٢، ص ١٢٧.