من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٢ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
الولاء، وتتمحض علاقاته في الإيمان، وقد يدعوه ذلك إلى قطع وشائج الولاء عن أقرب أرحامه فيقاوم تيار عواطفه الجياشة تجاههم، ويتحمل مضاعفات العزلة عنهم وضغوط الحياة دونهم.
وذلك من أصعب ما يتعرض له الإنسان، ولكن القرآن يعالج ذلك علاجاً موضوعيًّا من شأنه تهوين الأمر في نفوس المؤمنين، ودفعهم لخوض الامتحان بنجاح، ببيان الحقائق التالية
أولًا: أن الكفار لا يوادون المؤمنين أبدا، بل يكنون لهم الحق والعداء، وإذا كانوا يتظاهرون بالمودة أحيانا فإنما لأسباب وظروف ومصالح، فحيث لا يجدون القدرة على إظهار العداء للمؤمنين الذين قويت شوكتهم يُخفون كل ذلك، أما لو يظفرون بهم فإنهم، لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ [التوبة: ١٠]، ودليل ذلك أنهم أخرجوا من قبلُ الرسول صلى الله عليه واله والمؤمنين من مكة المكرمة، واستحلوا حرماتهم وأموالهم.
ثانياً: المهم عند المؤمن الآخرة فعليه أن يعمل في الدنيا ما ينفعه يوم القيامة، وليس تنفعه تلك الولاءات شيئا، فلماذا التشبث بها؟.
ثالثاً: أن المقاطعة التي يفرضها الله على المؤمنين ليست أمرا مستحيلا، فهناك من عمل بها وهو نبي الله إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه، حيث ضربوا المثل الأعلى في البراءة من قومهم المشركين ومن آلهتهم المزيفة، وفي الكفر بهم، وإظهار العداوة والبغضاء ضدهم، وما أروعها أسوة لكل مؤمن يرجو رضا ربه، ويؤمن بالحياة الأخرى.
بينات من الآيات
[١] قالوا في شأن نزول الآية: [لقد كانت قريش تخاف أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه واله فصاروا إلى عيال حاطب بن أبي بلتعة، وكان قد أسلم وهاجر تاركا أهله بمكة، وسألوهم أن يكتبوا إلى حاطب يسألونه عن خبر محمد هل يريد أن يغزو مكة؟ فكتبوا إلى حاطب يسألونه عن ذلك، فكتب إليهم حاطب: إن رسول الله صلى الله عليه واله يريد ذلك، (و في رواية): [من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم] [١]، ودفع الكتاب إلى امرأة تسمى صفية، وقيل: [سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام، وكانت قد أتت رسول الله صلى الله عليه واله بعد بدر بسنتين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله
«أَمُسْلِمَةً جِئْتِ؟.
قالت: لا، قال صلى الله عليه واله
فَمَا جَاءَ بِكِ؟،
قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي، وقد ذهب موالي فاحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، قال صلى الله عليه واله
فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْ شَبَابِ مَكَّةَ؟
- وكانت مغنية
[١] بحار الأنوار: ج ٢١ ص ٩٢.