من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - يسلط رسله على من يشاء
من الأموال والأولاد والأنفس، ولذلك يسترخص المؤمنون المهاجرون حطام الدنيا، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٩].
الثاني: أنهم لا يتعاملون مع ربهم بمقياس الربح والخسارة، إنما يتعبدون بالتزام القيم تعبد الأحرار الواعين، فلا يشبع طموحهم المستقبل المادي حتى ولو كان هو الجنة، بل تراهم يبحثون من خلال الهجرة عن هدف أكبر وهو رضوان الله عز وجل وَرِضْوَاناً مهما كان ثمن ذلك الرضوان، من الاعتداء والتعذيب والقتل، ولو خالف هوى النفس ورضا الأسرة والمجتمع والحاكم، بل ولو وجدوا أنفسهم بسببه محاربين من كل العالم (كما هو حال الحركات الرسالية الأصيلة، والقيادات المؤمنة المخلصة، التي تحاربها كل قوى المستكبرين في العالم، سياسيًّا واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وإعلاميًّا).
الثالث: نصرة الحق لأنها الطريق إلى رضوان الله، بالانضواء تحت راية القيادة الرسالية التي تسعى لإقامة حكم الله، وطمس معالم الباطل من على وجه الأرض وفي المجتمع والنفوس- باعتبار أنها القناة الأصح والأفضل لنصرة الحق- فإن المؤمنين لا يرون أن مصادرة ممتلكاتهم أو هجرتهم عنها تسقط عنهم الواجب، ولا يعتبرون دار الهجرة نهاية المطاف، ومحلًا مناسباً لممارسة الشعائر والعبادات الاعتيادية كالصوم والصلاة والخمس، وإنما يعتبرونها منطلقا لمسيرة جهادية مباركة.
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لتطبيق الحق وتحكيمه، ومن طبيعة المؤمن الصادق أنه لا يفكر في حدود نفسه فإذا وجد الأمن والسلام نسي الآخرين، إنما يحمل ألم مجتمعه وأمته ويعتبره ألمه، ويجاهد من أجل خلاصهم من ربقة الجهل والفساد والظلم من منطلق شرعي وإنساني، وحيث يصل دار الهجرة لا يتفرج على الصراع الدائر بين الحق والباطل، إنما يعتبر نفسه معنيًّا بالصراع، ومسؤولًا عن الانتصار للحق.
أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، والمصداق الحقيقي للمهاجر كما يراه الإسلام. أما الذي يبحث في المهجر عن حطام الدنيا، وراحة النفس، ولا ينصر الحق فليس بصادق في دعوى الهجرة، ولا مصداقا للمهاجر. ولقد كانت قسمة الرسول في الفيء حيث جعله للمهاجرين قسمة منطقية، لأنهم فقراء من الناحية المادية، ولأنهم صودرت أموالهم ودورهم، ولأنهم كانوا صادقين. ولعل هذا الموقف النبيل من الإسلام والقيادة الرسالية في التاريخ من المهاجرين، وكذلك موقف الأنصار يهدينا إلى ضرورة اعتناء الأمة الإسلامية بأولئك الذين يهاجرون في سبيل الله، ولخيرها، بأن تتحمل قسطا من دعمهم المادي، ودعم حركتهم لتتواصل مسيرتهم، ويتفرغوا للجهاد بصورة أفضل، ويحافظوا على استقلالهم، فإنهم ومشاريعهم أولى بالدعم.