من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٢ - يسلط رسله على من يشاء
بدينهم، وبأنفسهم، وكيف تعرف الهزيمة أمة تتيقن بأنها مؤيِّدة لإرادة الله المطلقة؟ بلى؛ إن الأمة الإسلامية وكذلك الكثير من الحركات في التاريخ انهزمت وتراجعت حينما ضعف إيمانها بالغيب، وهي تخوض صراعاً قاسياً، وغير متكافئ ماديًّا مع الأعداء.
وقبل أن نمضي إلى رحاب الآية اللاحقة نورد حديثا مفصلا عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى الفيء كما يراه الإسلام، يقول فيه
«إِنَّ جَمِيعَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِرَسُولِهِ ولِأَتْبَاعِهِمَا مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَمَا كَانَ مِنَ الدُّنْيَا فِي أَيْدِي المُشْرِكِينَ والكُفَّارِ والظَّلَمَةِ والفُجَّارِ مِنْ أَهْلِ الخِلَافِ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه واله والمُوَلِّي عَنْ طَاعَتِهِمَا مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ ظَلَمُوا فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وغَلَبُوهُمْ عَلَيْهِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فَهُوَ حَقُّهُمْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّهُ إِلَيْهِمْ.
وإِنَّمَا مَعْنَى الفَيْءِ كُلُّ مَا صَارَ إِلَى المُشْرِكِينَ ثُمَّ رَجَعَ مِمَّا كَانَ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ فَمَا رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَقَدْ فَاءَ مِثْلُ قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أَيْ رَجَعُوا، ثُمَّ قَالَ
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وقَالَ
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
أَيْ تَرْجِعَ،
فَإِنْ فَاءَتْ
أَيْ رَجَعَتْ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ
تَفِيءَ
تَرْجِعَ فَذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الفَيْءَ كُلُّ رَاجِعٍ إِلَى مَكَانٍ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ، ويُقَالُ لِلشَّمْسِ إِذَا زَالَتْ: قَدْ فَاءَتِ الشَّمْسُ حِينَ يَفِيءُ الفَيْءُ عِنْدَ رُجُوعِ الشَّمْسِ إِلَى زَوَالِهَا، وكَذَلِكَ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنَ الكُفَّارِ فَإِنَّمَا هِيَ حُقُوقُ المُؤْمِنِينَ رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ظُلْمِ الكُفَّارِ إِيَّاهُمْ» [١].
[٧] ويبين القرآن حكم الفيء بوجه عام والخلفيات الموضوعية لتقسيمه يومئذ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى كبني النضير، والرسول مسلَّط من قبل الله على أهل القرى يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وعلى أموالهم.
فَلِلَّهِ كل ذلك، إذ هو الخالق الذي له ملك السماٍوات والأرض وما بينهما وما دونهما، وقد استخلف في ملكه نبيه وسلَّطه عليه، لعلمه بأنه لا ينطق عن الهوى، إنما يتبع الوحي والعقل، ويحكم بحكمه، حيث أدبه وعصمه وأيده حتى بلغ قمة الكمال فهو إذن أهلٌ وكفوٌ، لأن يملِّكه الله ماله من الفيء فيقول وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى منه وهم أهل بيته، قال الصادق عليه السلام
«لَنَا سَهْمُ الرَّسُولِ وسَهْمُ ذِي القُرْبَى ونَحْنُ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا بَقِيَ»
[٢] وإنما كان للرسول باعتباره
[١] الكافي: ج ٥، ص ١٥.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٥، ص ١١٤.