من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٥ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
يَقُولُ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وهِيَ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مِثْلُ ظَهْرِ أُمِّي، وهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الظِّهَارَ»
[١]، وعن زرارة عنه عليه السلام قال
«لَا طَلَاقَ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقُ ولَا ظِهَارَ إِلَّا مَا أُرِيدُ بِهِ الظِّهَارُ» [٢].
وهذا التشدد من قبل الإسلام بهذه الشروط يجعل الظهار الشرعي نادرا، وإن دل ذلك على شيء فإنما يؤكد حرص الإسلام على سلامة الأسرة، فهو يسعى لتأليف أفرادها وربطهم إلى بعضهم، لكي تستطيع الأسرة القيام بدورها الحضاري في البناء والتقدم، كما ويضع الإسلام حلًا تشريعيًّا وعمليًّا ناجعاً لمشكلة الظهار، فمن جهة لا يعطيه شرعية الجاهلية (الحرمة والتعليق إلى الأبد)، ولا يعده واقعا إلا إذا استكمل شروطه الشرعية الآنفة الذكر، فبإمكان المظاهر أن يعيد النظر في قراره ويعود إلى زوجته لو أراد، ثم يضع العقوبات الرادعة بما فيه الكفاية عن أن يتورط الإنسان المؤمن فيه، وإذا تورط فيه لا يعود إليه مرة أخرى ويكون موعظة لغيره.
وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ظهارا مشروعا فإن ذلك لا يقطع كل الوشائج وإلى الأبد، وإنما يؤثر عمليًّا في العلاقة الجنسية المباشرة، وبتعبير الروايات يمنع الوطء (التماس) إلى أداء الكفارة وتذوُّق العقوبة الشرعية، حتى أن أكثر الفقهاء جوزوا ما دون الوطء كالقبلة وسائر أنواع المزاح والمداعبة، فهو أقل حتى من الطلاق لأن المرأة لا تبين من زوجها به وحده ولا تعتد. وهذا الموقف من الإسلام يُسهِّل الحل ويُهوِّن المشكلة بخلاف الحكم الجاهلي في الموضوع.
والمُظاهر على الخيار بين قطع العلاقة بالطلاق المشروع وبين العودة إلى زوجته، وللحاكم الشرعي أن يضيِّق عليه حتى يختار أحدهما لو رفعت المظاهر منها أمرها إليه بهدف منعه من التعليق. والقرآن في هذا الموضع لا يذكر الخيار الأول (الطلاق)، وإنما قال ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا يعني يعودون إلى الزواج الذي قالوه في صيغة العقد أو يعودون إلى الظهار بقصد نقضه وعلاجه، وسواءً هذا أو ذاك فإن المعنى واحد، وهو إرادة الوطء الذي حرموه على أنفسهم بالظهار. ولكن يبقى سؤال: كيف استفادوا هذا المعنى من هذه الكلمة؟.
أجاب القرطبي على الاحتمال الأول بما يلي: وتحقيق هذا القول أن العزم قول نفسي، وهذا رجل قال قولا اقتضى التحليل وهو النكاح وقال قولا اقتضى التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما قال وهو التحليل، ولا يصح أن يكون منه ابتداءً عقده لأن العقد باق فلم يبق إلا أنه قول عزم يخالف ما اعتقده وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله: أنت عليَّ كظهر أمي،
[١] الكافي: ج ٦، ص ١٥٣.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٢ ص ٣٠٨.