من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٧ - الرحمن علم القرآن
إننا لا نستطيع أن نتصور العدم المحض حيث خلقنا الله ولم نك شيئا، ولكننا قد نستطيع تصور المسافة الهائلة بين صلصال من طين وبين إنسان سوي لنعرف جانبا من عظمة الخلق. هذا في الجانب المادي، أما إذا تجاوزناه إلى عالم الروح حيث نفخ الله في آدم من روحه فهنالك التجلي الأعظم، وسبحان الله أحسن الخالقين.
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ أي النار المختلطة فهي إذا قويت التهبت، ودخل بعضها في بعض، كما يتداخل ماء البحر في بعضه، وأساس الخلق نعمة ينبغي على الجن شكرها، فكيف وقد مَنَّ الله عليه من القوة ما يستطيع بها نقل عرش عظيم كعرش بلقيس من اليمن حتى فلسطين قبل أن يقوم سليمان عليه السلام من مقامه! وإذا نظر كل منهما إلى أصله وإلى نعم الله المسبغة عليه، علم أنه ما نال من الشرف إلا بفضل الله تعالى، فكيف يكذبان بآلائه؟! [١].
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ومن آلاء الله عليهما أن خلقهما من مادة تتناسب مع تطلعات ودور كل منهما في الحياة، فخلق الإنسان من صلصال نتن ضعيف، ولكنه قوَّمه وقوَّاه بالعقل والعلم، بحيث يستطيع أن يُسخِّر حتى الجن، وخلق الجن من النار، وجعل تفوقه في بعض جوانب القدرة والقوة المادية، ولكن هذا الاختلاف في الخلقة لا يعني تمايزا لعنصر على عنصر، لأن القيمة للعمل الصالح، سواء صدر من الصلصال أو من مارج النار، ولا يعني أن أحدهما رب والآخر مربوب حتى يعبده ويشرك به، بل هما مخلوقان وربهما واحد وهو الله.
[١٧- ١٨] وجانب آخر من الرحمة الإلهية يطالعنا كل يوم في حركة الشمس والأرض.
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ الآية الكريمة تلفت انتباهنا إلى حركة الأرض حول الشمس والتي تكتمل في كل عام مرة، وتتسبب في تغيُّر الفصول الأربعة وخلالها تتبدل يوميًّا منازل الشمس بالنسبة إلى الأرض شروقا وغروبا، فهي تشرق في أول يوم من أول منزلة لتبلغ الأقصى في اليوم الأخير، وفي المقابل تجد الحركة ذاتها وبالنسبة بذاتها غروبا، وفي الاحتجاج للطبرسي رحمه الله، قال أمير المؤمنين عليه السلام
«أَمَّا قَوْلُهُ
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
فَإِنَّ مَشْرِقَ الشِّتَاءِ عَلَى حِدَةٍ، وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ عَلَى حِدَةٍ، أَمَا تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ قُرْبِ الشَّمْسِ وَبُعْدِهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ
بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ
فَإِنَّ لَهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ بُرْجاً تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بُرْجٍ وَتَغِيبُ فِي آخَرَ وَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ قَابِلٍ فِي ذَلِكَ اليَوْم] [٢].
ولا شك أن الفصول الأربعة نعمة إلهية تدخل رقماً أساسيًّا في تكامل الحياة ونموها. ولولاها لكانت تنتفي الكثير من صفات التنوع والتكامل عند
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي (بتصرف): ج ٢٩، ص ٩٨.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٠، ص ١٢١.