من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - الرحمن علم القرآن
الإنسان وفي الطبيعة والأحياء ومن حوله، وقد قال بعض العلماء أن أكثر الحضارات نشأت في البلاد ذات الفصول القاسية، فمن أجل مواجهة الحر الشديد دأب الإنسان على اكتشاف وسائل التكيف في لباسه ومنزله والوسائل التي يستخدمها، وبتلك الروح تحدَّي قسوة البرد، ولا شك أيضا في أن تنوع الفصول يكمل الوجود النفسي والروحي والجسمي للإنسان ويخدم مصلحته، ويفسح المجال أكثر فأكثر لتفجير طاقاته واستغلال الطبيعة وتسخيرها.
وتذكرنا الآية أيضاً بحركة الأرض حول نفسها مرة واحدة في كل يوم، وما ينتج من تعاقب الليل والنهار، الذي يكمل هو الآخر مسيرة الإنسان ويخدم مصالحه وتطلعاته في الحياة، فسباته في الليل ونشاطه وسعيه في النهار.
وقوله تعالى رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ لا يحتاج إلى تفصيل وبيان، لأنه وقد تقدم بنا العلم أصبح الكل يعي هذه الحقيقة وهي انقسام الأرض إلى شطرين، فإذا كان النصف الأول يستقبل الشمس بالشروق فإنها لا ريب تودع الآخرين غروبا، والعكس صحيح، إذا فهناك مشرقان ومغربان يتعاقبان على الكرة الأرضية.
وكلتا الحركتين نعمة تعكس لنا اسم الرحمن، ولكنك ترانا ونحن نعيش بكل ذرة في وجودنا محاطين بآلاء الله نكذِّب بها. أفلا يحق لربنا إذن أن يكرِّر معاتبتنا وتذكيرنا؟!.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
الإنسان حينما يكون عارفا برحمانية ربه، وأنه تعالى سخَّر الوجود لمصلحته، فإنه يعيش متفائلا ونشيطا لأنه سيكون مطمئنا إلى سعيه، انطلاقا من إحساسه بأنه خُلِقَ ليُرحم لا لِيُعذَّب، ومن جانب آخر إنه سوف يتعايش مع الحياة من حوله تعايشاً ايجابيًّا. يعتمد السعي من أجل الاستفادة القصوى مما خلق من أجله. وهذا لا يتحقق إلا إذا صدَّق بأنه فعلا من نعم ربه وآلائه عليه، أما إذا كذب بذلك شلَّ سعيه، وخارت إرادته، وقنطت نفسه من إمكانية تسخير الحياة، وكم عاش الإنسان على هذا الكوكب دون أن يسعى للتعرف على حركة الشمس، والاستفادة من ذلك في حياته، وتحقيق أهدافه الشخصية والحضارية، لأنه لا يؤمن بعلاقته بها، أو كان يعتقد بسبب بعدها أنها لا يمكن تسخيرها بل لم تخلق من أجله؟! والآن جاء العلم الحديث ليؤكد أنها نعمة إلهية عظيمة، وإنما خلقت لصالح الإنسان، وانطلاقا من ذلك عكس حركتها على حساباته الزمنية، ولا يزال العلماء يقومون بمختلف الدراسات التي من شانها تسخير الشمس إلى أقصى حد ممكن في خدمة الأهداف والتطلعات الحضارية للبشر.