من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - الرحمن علم القرآن
ومن الذرة المتناهية في الصغر حتى المجرة المتناهية في السعة والضخامة، وفيما بينها الإنسان والشمس والقمر، كل ذلك يتجلى فيه التدبير اللطيف والنظام الدقيق، حتى قالوا: إن الحياة كتبت بلغة رياضية، ولذلك فإنها تنعكس في ضمير الإنسان وفي رسالات الله بصورة موازين وقيم. أليس الفكر مرآة صافية؟ أولا تعكس هذه المرآة ذلك النظم الدقيق، والتدبير الحسن؟ بلى؛ وكذلك الوحي يذكرنا بالعقل، ويفصح عن تلك الموازين الحق التي انبثت في الخليقة.
فالإنسان يعرف الخير من الشر، والحسن من القبيح، بل ويزن أيضا أي الشرين أهون وأي الحسنيين أفضل، كما أنه يتمتع بحس جمالي. ألا تراه كيف يميز بين لوحة وأخرى، ووجه وآخر، كما أنه بحواسه يفرِّق بين الأحجام، والألوان، والمسافات، والأصوات. هل فكرت كيف يميز الإنسان بأذنه بين الأصوات المختلفة، يقيس- مثلًا- صوتين متقاربين لأخوين، بل صوت الإنسان الواحد في حالتين أو مرحلتين، حينما يستيقظ من نومه، وحينما يكون مريضا .. ولو أنك قارنت بين أكثر المسجلات تطورا وبين الأذن، أو بين المصورات المتقدمة وبين العين، لوجدت حواس الإنسان تتميز بدقة الموازين، وهذه الموازين عكسها الإنسان في صور محسوسة، فصنع للثقل ما يسمى بالميزان، وللمسافات المتر والذراع وما إلى ذلك، وللزمن الساعة، وللحرارة والرطوبة مقياسا آخر، كما وضع قوانين وأنظمة تجسد موازين العدل والأخلاق والقيم والأعراف. إذن ربنا هو الذي خلق الموازين في الطبيعة، إذ خلق كل شيء بحسبان وقدر، ضمن زمن، وحجم، ولون، وشدة، وضعف، وعدد من الموازين الأخرى، وعكس ذلك في ضمير الإنسان وحواسه وعقله.
وهناك علاقة بين رفع السماء ووضع الميزان في الآية الكريمة، فالسماء رفعت بالميزان ومن أجل الميزان (القوانين والأنظمة الخاصة بها)، ولولاها لكانت تقع على الأرض، وهكذا كل شيء في الحياة، فحياة الإنسان تستحيل عذابا لو لم يلتزم بالميزان، لذلك يؤكد ربنا مباشرة بعد هذه الآية وبآية أخرى ضرورة احترامه وإقامته.
إن الله وضع الميزان في الطبيعة، ولكن رحمته لا تتجلى فيها فقط بل على يد الإنسان أيضا، فهو بحكم حريته قد ينغص صفو الأمن على نفسه ويفسد السلام، كما أنه يستطيع أن يساهم في جلب السلام والسعادة إليها لتتجلى رحمانية الله على يديه، وذلك إذا لم يطغ في الميزان وأقامه بحق، فلم يُسرف في الأكل والشرب، ولم يُبذِّر في الصرف، ولم يستهلك أكثر مما ينتج، ولم ينم أكثر من حاجته، بل أقام الوزن في جوانب حياته الشخصية والاجتماعية أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ والطغيان هو إخسار الميزان بصورة فظيعة ظاهرة، وربنا ينهانا عن ذلك، ويلحق بالنهي دعوة إلى إقامة الوزن باحترامه والالتزام الدقيق به، وبأفضل صور العدل وهو القسط