من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٩ - الرحمن علم القرآن
والشروق، أو تصاعدت حرارتها أو انخفضت، لأصبحت الحياة صعبة أو مستحيلة .. وكذلك القمر فإذا رأيناه يحمل ملايين الأطنان من مياه البحر فإنه لاشك يؤثر في مخ الإنسان الذي يشكل الماء حوالي ٧٠% منه.
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ قال بعض المفسرين: إن النجم هو النباتات الصغيرة، والشجر هي النباتات الكبيرة ذات الساق، وذلك لاقترانهما في الآية في مقابل اقتران الشمس والقمر، وكلمة النجم لفظ مشترك. وقال آخرون: إن النجم هو الذي في السماء، والشجر هو الشجر الذي نعرفه. وربما الهدف من ذكرهما معا على التفسير الثاني هو بيان العلاقة بين أبعد الأشياء عنا وأقربها إلينا في الطبيعة، فهي وإن كانت في نظرنا جوامد إلا أنها تملك قدرا من الوعي والإحساس يدعوها لعبادة ربها وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
وحيث يدل السجود على غاية الخضوع والعبودية، فإن سجود النجوم والشجر يتجلى في خضوعها لسنن الله المرتبطة بها، فإنك لا تجد نجمة تنحرف عن مسارها، ولا شجرة تنبت غير ثمرها.
ولا ريب أنهما مظهر لرحمة الله بالإنسان، فللنجوم علاقة وثيقة بتنظيم هيكلية الجاذبية في هذا الفضاء الرحب، ثم إنها تؤثر بأشعتها على الأرض وعلى الكائنات فيها، حتى قيل: أن كل مادة في جسم الإنسان تستمد قدرا من وجودها وكيانها- بلطف الله- من الأشعة المبثوثة في الفضاء، والعلاقة بين النجوم والشجر ليست علاقة علمية وحسب، بل إن الزُّراع والفلاحين يستدلون بها على ميعاد زراعة الأنواع المختلفة من النبات، وأوقات اللقاح والتشذيب وما إلى ذلك. إذن فلا ينبغي أن نتصور أن تلك النجوم التي تفصلنا عنها ملايين السنين الضوئية لا علاقة لها بنا، كلا .. وهذا يفسر الحديث القدسي
«خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ لِأَجْلِكَ وَخَلَقْتُكَ لِأَجْلِي»
[١] الذي يشير إلى العلاقة بين كل شيء وبين الإنسان، وقد قدَّم ربنا الإشارة إلى خلق الإنسان على الحديث عن الكون لأنه الهدف.
[٧- ٩] ثم إن السورة المباركة تذِّكرنا بتجلٍّ آخر لاسم الرحمن في نعمة السلام والأمن، سواء كان أمن وجود الإنسان أو أمن حقوقه، فالسماء رفعت كي تحافظ بطبقاتها على وجوده، فهي تمنع عنا النيازك والشهب الساقطة، كما يمتص الغلاف الجوي الأشعة الضارة أن تصل إلينا، ويخفف من الأشعة الأخرى التي من شأنها لو وصلت إلينا بصورة مركزة الإضرار بنا أيضا، وهكذا .. وكما ضمن الله حياتنا بالسماء ضمن برحمته الحقوق للإنسان عندما وضع الميزان.
وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ الحياة كلها من النبتة الصغيرة حتى الشجرة الكبيرة،
[١] كلمة الله: الشهيد السيد الشيرازي: ص ١٦٩، حديث رقم: ٢٠١.