من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - إنا كل شيء خلقناه بقدر
من هذه الثقافة الضالة صاروا يبررون لأنفسهم الخيانة والغدر ومختلف الذنوب، فإذا بهم لا يقيمون وزنا لعهودهم وإيمانهم مع الشعوب الأخرى على أساس أنهم أميون، ولا حرج عليهم إذا نكثوا بهم أو خانوهم قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: ٧٥]، ولكن الله أبطل هذا التبرير فقال بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران: ٧٦].
ثانياً: الاغترار بالقوة.
أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ هل يُعرضون عن الآيات، ويكذبون الحق، ويتبعون أهواءهم، ثم يتحدون سنن الحياة، اعتمادا على جمعهم وقوتهم؟! وما عسى أن تكون قوتهم وجمعهم بالنسبة إلى الأمم السابقة؟!.
أَوَلَمْ يَعْلَمْ- كل واحد منهم- أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً [القصص: ٧٨]، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق: ٣٦]، ثم أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [الأنعام: ٦].
ويؤكد الله لأولئك الذين اعتمدوا على عدتهم وعددهم أن المستقبل كفيل بالكشف عن مدى ضلالتهم في الاعتماد عليهما، حيث يُهزمون، وتبطل تبريراتهم ومزاعمهم أن العذاب لا يطالهم سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقد رأينا كيف أنزل الله عذابه بهم على أيدي المؤمنين في مواطن كثيرة، وأظهر رسوله ودينه عليهم بالرغم منهم، وبالرغم من أنهم كانوا في موقعة كبدر أكثر جمعا وعدة من المسلمين بثلاثة أضعاف أو أكثر!.
[٤٦] ومع ذلك فإن الأدهى من هزيمتهم وعذابهم في الدنيا ما ينالهم من العذاب في الآخرة بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ إنها أكثر رُعْباً في مظهر عذابها وأساليبه، وأعمق ألما ومرارة على أبدانهم ونفوسهم.
ونستلهم من هذه الآية أنه حتى إذا كان عذاب الاستئصال مرفوعا عن أمة محمد صلى الله عليه واله ببركته ودعائه، فإنه لا ينبغي أن نجعل هذه الفكرة مبررا لنا لاقتحام الذنوب، فإن من ورائنا الساعة في الآخرة، وتهددنا في الدنيا ألوان من العذاب التي لا تقل ألما عن الاستئصال، كالتخلف، والتفرقة، وتسلط الظلمة، والصراعات الداخلية، و .. و .. أترى هزيمة الأمة أمام أعدائها في الدنيا أمراً هيِّناً؟! كلا .. لأنها تفقد بذلك الكثير الكثير.
[٤٧- ٤٨] ويعود القرآن مؤكداً أن تلك المزاعم: الأفضلية على الآخرين، والبراءة من