مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ١٥٣ - فصل ماء البئر النابع
أتيت البئر و أنت جنب و لا تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد فان رب الماء رب الصعيد و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم مائهم. بناء على ان الإفساد كناية عن النجاسة و التيمم لا يسوغ مع وجود الماء الطاهر. و حسنة زرارة و محمد بن مسلم و ابى بصير قالوا قلنا له بئر يتوضأ منها يجرى البول من تحتها أ ينجسها قال فقال ان كانت البئر في أعلى الوادي و الوادي يجري فيه البول من تحتها و كان ما بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع لم ينجس ذلك شيء و ان كان أقل من ذلك نجسها و ان كانت البئر في أسفل الوادي و يمر الماء عليها و كان بين البئر و بينه تسعة أذرع لم ينجسها و ما كان أقل من ذلك فلا تتوضأ منه. هذه جملة ما استدل به للقول بالنجاسة.
و اما الاخبار الدالة على الطهارة فهي معرض عنها عند القدماء الّذين يكون اعراضهم موهنا للخبر و لو كان صحيحا في غاية الصحة كما ان عملهم يكون مقويا له و لو كان ضعيفا في غاية الضعف كيف و تلك الاخبار كانت موجودة عندهم و قد وصلت إلينا بواسطتهم فلو لم يكن فيها خلل لعملوا بها فإنهم لقرب ازمنتهم بمعدن الاخبار و مصدرها أبصر بمعانيها و القرائن المقترنة بها فطرحهم هذه الاخبار مع وضوح دلالتها و كونها بمرئي و مسمع منهم كاشف عن قصور فيها اطلعوا عليه و قد خفي على المتأخرين.
و الجواب اما عن الإجماع فبما مر من الغرابة في الاستدلال به مع كون المسألة ذات قولين مشهورين بل ذات أقوال متعددة كما عرفت و اما اخبار النزح فبشهادة القرائن الداخلية الموجودة في نفس هذه الاخبار تحمل على استحباب النزح أولا، و ذلك مثل الحكم بصحة الوضوء و الصلاة الواقعتين قبل النزح كما في جملة منها و شدة الاختلاف الواقع فيها على وجه يتعذر الجمع بينها الا بالحمل على الاستحباب. و بان غاية الأمر ظهور هذه الاخبار في نجاسة البئر و بعد الجمع بينها و بين الاخبار الدالة على الطهارة الناصة عليها يرفع اليه عن ظهورها في النجاسة لقاعدة الجمع بين النص و الظاهر بل الظاهر لا يعارض الأظهر فضلا عن النص ثانيا. مع ان دلالة تلك الاخبار على النجاسة من ناحية الأمر بالنزح فيها بدعوى ملازمة الأمر به للنجاسة و كون وجوبه شرطيا لتوقف الاستعمالات عليه و هي ممنوعة باحتمال كون النزح واجبا تعبديا ثالثا. و اما الاخبار الخاصة ففيها أولا انها ظاهرة