تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٩٤
و طهروها بعد طهارة أنفسكم ظاهرا و باطنا كما افترض اللّه تعالى عليكم أعانكم اللّه على ذلك و فتح لكم فيه و فى القيام بجميع ما افترضه عليكم و المحافظة على حدود دينكم و ما ألزمكم من القيام به من أمر دنياكم.
و أما ما جاء فى الدعائم من الأمر فى الاستنجاء باليد اليسرى و بغسل القبل ثم الدبر بعده و ألا يجمعهما المستنجى، فى الغسل معا فباطن ذلك أن القبل مثله مثل الباطن و الدبر مثله مثل الظاهر و الفواحش و الأحداث الظاهرة المحرمة كالزنا و السرقة و أمثالهما مما اجتمعت الأمة على تحريم ذلك فى الظاهر و أمثالهما كثيرة يطول ذكرها و سيأتى فى كل باب منها ما يجرى ذكر ذلك فيه، و ظاهر الدين قد أوجب الطهارة من ذلك و التوبة منه و لكن لا بدّ من ذكر ذلك و الأخذ على المستجيب فيه فليس يجمع ذلك الأخذ عليه مع ما خفى و بطن من الفواحش و لكنه يبدؤه بما خفى من ذلك لينبهه عليه و يوقظه لمعرفته و يأخذ فيه عليه و ينهاه عنه و يطهره بما يلقى إليه من الحكمة منه ثم يذكر له ما قد عرفه فى الظاهر و يحذره منه و يأخذه عليه من ذلك لئلا يتهاون به و يرى أن السكوت عنه يوجب إباحته فهذا مثل ترتيب غسل القبل و الدبر فى الاستنجاء.
و أمّا ما جاء فى كتاب الدعائم من الأمر بعد الاستنجاء بالمضمضة و الاستنشاق فباطن ذلك و مثله أن الفم فى الباطن هاهنا مثله مثل الناطق الّذي هو النبي صلى اللّه عليه و سلم فى وقته و الإمام فى عصره و مثل الأنف مثل أساس النبي صلى اللّه عليه و سلم و مثل حجة الإمام و يكنى عنهما معا بالصامت لأن الكلام و النطق و ما يعبر ذلك عنه من العلم و الحكمة و الذوق و اللمس و المطعم و المشرب اللذين بهما حياة الجسم الظاهر إنما يكون ذلك من قبل الفم كذلك يكون القيام بالظاهر من أمر الدين و العلم و الحكمة من قبل الإمام و بذلك كانت الحياة الباطنة و النفس الخفى الّذي به تكون الحياة أيضا من قبل الأنف و مثل ذلك مثل العلم الباطن الّذي يلقيه الإمام إلى حجته و يتصل بالمستجيبين من قبله كذلك التنفس من قبل داخل الفم يصير إلى الأنف و قد يكون النفس أيضا من قبل الفم إذا حدثت بالأنف علة تمنع من خروجه منه كما يكون العلم الباطن يتصل بالأمة عن الإمام قبل أن يقيم حجته على ما قدمنا ذكره فلأجل ذلك يكون الإنسان يتنفس من فيه و لا يأكل و لا يشرب و لا يتكلم من أنفه لأن الإمام قد يقوم بأمر الأمة وحده و لا يقوم الحجة بشيء إلا أن يكون