تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٠٠
و عليهم و عرف فضلهم و حقهم و استكان إليهم. قد سمعتم معاشر الإخوان تأويل ما أثبت لكم فى كتاب الدعائم من ظاهر ما تعبدكم اللّه بإقامته ظاهرا و باطنا و باطن ذلك إلى آخر القول فى المسح على القدمين من صفات الوضوء و أنتم تسمعون الآن ما يتلو ذلك و رب سامع يعرض عما يسمعه فلا يعيه و لا ينتفع به و إنما تسمع و تبصر القلوب فهلموا بها مقبلين على ما تسمعون معتقدين بخالص من نياتكم و اجتهادكم و رغباتكم و بصائركم يزكو ذلك لديكم و يثبت عندكم فإن البذور و الغرس لا ينبت إلا فيما طاب و كرم من الأرض و فيها يغوص الماء و تقبله، و أما ما صلب منها فإنه يمر الماء على وجهه من شدته و قسوته و يفسد البذور و الغروس فيما خبث منها و لم يقبل الماء جعلكم اللّه ممن يقبل ما يحييه و ممن يلقنه و يعيه و يستجيب له و يقبل عليه كما أمر تعالى بذلك المؤمنين من عباده بقوله: «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ» فإنما الحى المؤمن العالم بالدين و الجاهل ميت كما قال تعالى:
«أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ وَ مٰا يَشْعُرُونَ أَيّٰانَ يُبْعَثُونَ» جعلكم اللّه ممن يحيا فى الدنيا الحياة الموصولة بالحياة الدائمة فى الدار الآخرة. و مما يتلو ما سمعتموه ما جاء فى الدعائم من النهى عن تقديم غسل بعض أعضاء الوضوء و مسحها على بعض و الأمر بأن يؤتى به على نسق ما ذكره اللّه فى كتابه بقوله: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» و قد ذكرنا فيما تقدم أن هذه الأربعة هى الفرائض فى الوضوء و أن الاستنجاء و المضمضة و الاستنشاق سنة فيه و أن هذه الثلاثة التى هى من السنة يبتدأ بها فى الوضوء قبل الفريضة و ذكرنا العلة التى أوجبت ذلك فأما العلة التى نهى لها عن تقديم بعض أعضاء الوضوء على بعض و الأمر بأن يؤتى بالغسل و المسح عليها على ما نصه اللّه فى كتابه و سنة رسوله لا يقدم منها ما أخراه و لا يؤخر منها ما قدماه فالابتداء فى الوضوء غسل الكفين و قد ذكرنا أن تأويلهما فى الباطن حدود أولياء اللّه المنصوبين بينهم و بين العباد الذين بهم و من قبلهم يوصل إليهم و أن مثل واجب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء إذا كان بهما نجاسة مثل من كان تنقص هذه الحدود أو بعضها أو أزرى بها أو نال مكروها منها فلا ينبغى له أن يتوسل بهم و هو على ذلك فيهم حتى يتطهر منه بالتوبة و يخلص لهم المودة لجميعهم و المعرفة بحقهم و يكون ذلك أول شيء يبتدأ به لأنهم أول من يعرفه