تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٨
و قوله صلى اللّه عليه و سلم من تعلم العلم فى شبابه كان بمنزلة النقش فى الحجر و من تعلمه و هو كبير كان بمنزلة الكتابة على وجه الماء، فالشباب مثله مثل الإقبال على العلم لأن الشاب مقبل فى قوته و ضبطه و استكماله، و الكبر هاهنا هو ضد الشباب و مثله مثل الإعراض عنه و هذا يرجع إلى المعنى الأول إذ كثير ممن يطلب العلم و يسمعه من الشباب فى الظاهر قد لا يقبلون عليه و لا يحفظونه و لا ينتفعون به و يقبل عليه الكبير فيقبله و ينتفع به و هذا فى المتعارف و الموجود فبين بذلك أن المراد تأويله فى الإقبال على العلم و الإدبار عنه لا ظاهر ذلك من الشبيبة و الكبر الظاهرين.
و قوله صلى اللّه عليه و سلم: نعم وزير الإيمان العلم و نعم وزير العلم الحلم و نعم وزير الحلم الرفق و نعم وزير الرفق اللين، فقد ذكرنا أن الإيمان مثله مثل الباطن و العلم يقع على الظاهر و الباطن فإذا وازر العلم الإيمان فى الظاهر فكان المؤمن عالما كان أكمل له و الموازرة هى المعاونة و المعاضدة على الأمر و كذلك قوله و نعم وزير العلم الحلم و الحلم ضد السفه و المتلف لماله يدعى سفيها و من ذلك قول اللّه: «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ» فإذا كان المؤمن العالم لا يضع علمه إلا فى موضعه كان فى الظاهر بمنزلة من لا يضع ماله إلا فى حقه و إذا بذله لغير مستحقه كان سفيها بمنزلة من يبذر ماله و من ذلك قوله تعالى: «وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» تأويله ألا يمن بما من اللّه به عليه من العلم و الحكمة على من يريد الاستكثار به ممن لا يستحق ذلك و منه قول بعضهم لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم و قوله و نعم وزير الحلم الرفق و ذلك أن الرفق القصد فى المعيشة و منه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «ما أراد اللّه بأهل بيت خيرا إلا أدخل عليهم الرفق فى معيشتهم» فأراد أن وضع العلم عند أهله أيضا يجب أن يوضع باقتصاد لا سرف فيه و لا تقتير، و منه قول اللّه: «وَ الَّذِينَ إِذٰا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كٰانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوٰاماً»، و قوله نعم وزير الرفق اللين و اللين ضد الشدة يعنى أن يكون العالم الواضع علمه عند أهله فى موضعه باقتصاد و رفق ينبغى له أن يلين لهم جانبه و لا يكون فظّا غليظا عليهم، و من ذلك قول اللّه لنبيه محمد صلى اللّه عليه و سلم فى عشيرته المؤمنين: «فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ».
و من ذلك ما جاء فى الدعائم عن أبى عبد اللّه جعفر بن محمد صلى اللّه عليه