تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٧٨
و ليلة و فى إقامة الدعوة صلاح الدين و الدنيا و صلاح جميع العباد، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: جعلت قرة عينى فى الصلاة يعنى فى ظاهرها و باطنها.
و يتلو ذلك قول جعفر بن محمد صلى اللّه عليه و سلم: فأقم وجهك للدين حنيفا، قال أمره أن يقيمه للقبلة حنيفا ليس فيه شيء من عبادة الأوثان خالصا مخلصا، تأويل ذلك أن وجه الرسول فى الباطن وصيه الّذي يتوجه إلى الأمة به فأمره اللّه بأن يقيم وصيه عليّا صلى اللّه عليه و سلم للدين أى لإقامة باطنه فى حياته و إقامة ظاهره من بعده و ينصب لإقامة الباطن من ينصبه وصيّا كما كان هو فى حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم.
و أمّا قوله حنيفا فأصل الحنف فى اللغة الميل و منه و قيل لمن يكون فى قدمه ميل أحنف، و قال أهل اللغة الحنيف هو المسلم الّذي يستقبل البيت الحرام على ملة إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم و كان كما وصفه اللّه مسلما و قال بعضهم قيل للمسلم حنيف لأنه لم يلتو فى شيء من دينه و قال آخرون قيل له ذلك لأنه تحنف عن جميع الأديان أى مال عنها إلى الحق، و جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال أحب الأديان إلى اللّه الحنيفية السمحة و هى ملة إبراهيم لا ضيق فيها و لا حرج، تأويل قوله يقيمه للقبلة أى يقيمه إماما كما يكون إمام القوم فى الصلاة قائما أمامهم نحو القبلة و القبلة فى التأويل مثل صاحب الزمان من كان من نبى أو إمام فأمره اللّه تعالى أن يقيمه وصيّا متوجها إليه و إماما لسائر الناس.
و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على صلى اللّه عليه و سلم أنه قال افترض اللّه خمس صلوات فى الليل و النهار سماها فى كتابه، قيل له سماها قال نعم قال تعالى: «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» فدلوك الشمس زوالها و فيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن و بينهن، و غسق الليل انتصافه ثم قال: «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» [١] فهذه الخامسة.
و قال: «أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ» فطرفاه المغرب و الغداة: «وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» صلاة العشاء الآخرة و قال: «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ»، و هى صلاة الجمعة و الظهر فى سائر الأيام قال و هى أول صلاة صلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هى وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة و صلاة العصر، تأويل ذلك أن الخمس الصلوات فى الليل و النهار فى كل
[١] سورة الإسراء: ٧٨.